وقفةٌ مع الباحث موسى إسماعيل الصفدي:

ادعى الباحث موسى إسماعيل الصفدي أن القرآن قد غفل ذكر أحد الفراعنة اللذين عاصرا موسى، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وزعم أن القرآن إنما ذكر فرعونًا واحدًا قد عاصر موسى طوال حياته حتى غرق، وهذا التوجيه من موسى الصفدي غير صحيح؛ إذ إن فرعون لقبٌ وليس اسمًا لشخص، فبالتالي هو يتضمن الفرعون الأب رمسيس الثاني، والذي قد التقطَ موسى من البحر، وأما الآخر فهو منفتاح، وهو فرعون الخرُوج، والذي قدر الله لهُ أن يغرق في البحر. فلقب الفرعون يتضمن هذا وهذا، ولو تأمل الصفدي حفظه الله في قول الله عز وجل «ألم نربك فينا» لخرج من أزمتهِ الفكرية، فكلمة: «فينا» تعني أن موسى تَّربي في كنف الأسرة الفرعونية بغض النظر عمن رباه الأب أم الابن. وهذه الطريقة في الخطاب دارجة في لغة العرب.

وزعم أيضًا – موسى إسماعيل الصفدي – أن موريس بوكاي قد قال في كتابه «التوراة والإنجيل والقرآن» إن رواية الخروج أدقُّ وأفضل من النص القرآني، وهذا غير صحيح، فإني قد راجعت هذا الكتاب مرارًا وفتشتُ عن هذه العبارة فلم أجدها على الإطلاق، ومع ذلك فإن موسى إسماعيل الصفدي زعم إن موريس بوكاي قد رجح الرواية التوارتية، زاعمًا أنها أدق وأكثر تفصيلًا، والحقيقة أن هذا الكلام لم يصدر من بوكاي على الإطلاق، بل إنه شكَكَ في الرواية التوراتية فقال: «وقد سَرد القُرآن قصة هروب بني إسرائيل من مصر دون ذكر التفاصيل الجغرافية والعددية الواردة في الرواية التوراتية المشكوك بها». [1]

وقد أوغل الصفدي، سامحه الله، في نفيه عن أي فحصٍ على المومياء من قبل العلماء لا في فرنسا ولا في مصر، وهو نفي غير صحيح، فقد تعرضت الجُثة للفحص في وقت مبكر «فقد فحصت لأول مرة من قبل العالم – لوريت – سنة 1898 ثم نقلت الجثة إلى القاهرة في سنة 1907 وضُبط محَضر هذه العملية».[2]

وفُحصت الجثة مرةً أُخرى سنة 1912 حيث يقول موريس بوكاي: «وفُحص البدن في كتاب المومياء الملكية سنة 1912، وحالة حفظ المومياء كانت مرضية في هذا العصر مع بداية التلف في عدة مواضع، ومن هذا التاريخ أصبحت المومياء معروضةً على الزائرين في متحف القاهرة مكشوفًا منها الرأس والعُنق، وبقية البدن مُغطاة بأحكام بقماش إلى درجة أنه حتى في هذه الأشهر الأخيرة لم يؤخذ لها أي صورة غير تلك التي أُخذت لها من – إليوت سميث – سنة 1912 ميلادي، وفي يونيو (حزيران) سنة 1975 ميلاديًّا سمحت لي المراجع العليا المصرية بفحص أجزاء بدن فرعون الذي ظل حتى هذا التأريخ مغطى، وبأن آخذ له بعض الصور، وعندما قورن وضع المومياء الحالي مع وضعها من أكثر من ستين سنة، ظهر بوضوح بأن بعض التلف قد أصابها وأن بعض الأجزاء قد اختفت منها، كما أن الأقمشة التي كانت ملفوفة بها لم تكن أحسن حالًا منها بسبب لمس الأيدي لبعض أجزائها وبعامل الزمن – إذا أمكن القول – وعوامل أُخرى. ولقد أوضح تمامًا التلف الطبيعي بأنه بسبب تغير شروط الحفظ بين يوم اكتشافها للناس في آخر القرن التاسع عشر في قبر تحت الأرض – طيبا – حيث كانت ترقُد منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، والآن هي معروضةً ضمن حافظ زجاجي لا يعزلها بشكل محكم عن الخارج، ولا يمنع عنها التلوث ببعض الميكروبات العضوية، وهي خاضعة لانحراقات في الحرارة وغير محمية من الإصابة برطوبة فصلية، وخلال محاولتي الاختبار للمومياء في حزيران سنة 1975 ميلاديًّا أنجزتُ أبحاثًا خاصة، حقق بموجبها كل من الدكتور المليجي ورمسيس دراسة رائعة بأشعة أكس، بينما أجرى الدكتور مصطفى المنيلاوي بواسطة سيلان مادة على سطح حاجز الصدر، اختبارًا في داخل القفص الصدري محققًا أول سَبر لداخل الجسم مطبق على مومياء، وقد توصل إلى رؤية وتصوير بعض التفصيلات المهمة جدًّا في داخل الجسم، وبالإضافة إلى الاختبار المجهري لبعض الأجزاء الساقطة من جسد المومياء بشكل طبيعي، وهو الاختبار الذي سيجري في باريس من الأستاذ – مينوا – والدكتور – بريجبتون – فتستكمل دراسة عامة، طبية – قانونية – يقوم بها الأستاذ سقالدي، ولا أظن أنه يمكن الحصول على نتائجها مع أسفي الكبير في نفس الوقت الذي ينتهي فيه تحرير هذا الكتاب. والذي يمكن أن يستخلص منذ الآن من هذه الدراسة، هو ملاحظة أضرار عظيمة كثيرة مع أضرار مادية هامة قد يكون جزء منها مميتًا دون أن يكون ممكنًا بعد إثبات ما إذا كان بعضها قد حصل قبل أو بعد موت فرعون الذي مات حقيقةً، إما غرقًا حسب روايات الكتب المقدسة، أو باهتزازات شديدة جدًا ناتجة عن جروح سبقت غرقه في البحر أو الاثنين معًا، وإن تضافر كل هذه الأضرار مع القلق الذي ذكرت أسبابه بجعل المحافظة الجيدة على بَدن مومياء فرعون أمرًا مشكوكًا فيه إذا لم تتخذ لها وسائل الحفظ والترميم في المستقبل القريب». [3]

ثم إن خبر غرق فرعون ليس بالأمر الخفي لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن كما يدندن حول ذلك الصفدي، إنما الخَبَر المعجزة هو نجاةُ جُثةُ فُرعون وبقاءُها آية للعالمين إلى يومنا هذا، وهذا هو ما ذكرهُ القرآن وأغفلتهُ التوراة والإنجيل

يقول موريس بوكاي:

«هذه الوسائل مفروض فيها أن تحَذَر اختفاء الشاهد المادي الوحيد الذي ما يزال موجودًا في أيامنا عن موت فرعون الخروج، ونجاة بدنه بمشيئة الله، إنما لأمنية بأن يجتهد الإنسان في حفظ معالم تأريخة، بيد أنه هنا يطلب ما هو أكثر، يطلب تجسيدًا في بدن موميائي للإنسان الذي عرف، وقاوم عروضه، ولاحقه في هربه ثم فقد حياته في ذلك، وقد نجت جثتهُ بإرادة الله من العدم وأصبحت آية للناس، كما قد سجل القرآن ذلك. يا لها من التماعه عجيبة للآيات القرآنية، تلك المختصة بجسد فرعون المعروض في صالة المومياءات الملكية للمتحف المصري في القاهرة، والتي تقدم لكل باحث في معطيات الاكتشافات الحديثة براهين الكتابات المقدسة». [4] وقال في موضع آخر مُبينًا هذا الأمر: «فنجا فرُعون وهَلَكَ فرُعون وعُثَرَ على بَدَنهِ وهو التفصيل المهم جدًّا الذي لم تأت على ذكره الرواية التواراتية». [5]

ولذلك نرى موريس بوكاي يقول: «هكذا فإنه يبدو لنا أن القرآن هو الوحي المكتوب الذي لا شك فيه، والذي كان معصومًا من كل خطأ علمي».[6] ولم ينس موريس بوكاي إعجاز القرآن اللغوي فيقول: «لكي نقارن بين اللغة القرآنية الفصحى والعربية الحديثة وجدنا أن لغةَ القرآن تَعلو على أي مقارنة». [7]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد