يستمر هرتزل في الحديث عن معاناةِ اليهود في البلادِ التي يعيشون فيها، ويعبر عن استيائه لأنها وصلت لدرجة طردهم من مجال التجارة، ورفع ضدهم شعار «لا تشترِ من اليهود»، ويتساءل «هل يمكننا الانتظار في هذه الحالة حتى تتحول قلوب أمراء شعوب هذه الأرض إلى قلوبٍ أكثر رحمةً بنا؟» يجيب «لا أمل في تغيير المشاعر الحالية لأنه لن يكون بمقدور الأمراء حمايتنا، بل سيذكون مشاعر الحقد الشعبية ضدنا من خلال إظهار بالغ العطف تجاهنا».

الخطة

وإزاء هذا الوضع يطرح خطة لتخليص اليهود من سوء أحوالهم، حيث يقول «الخطة بأكلمها بسيطة من حيث الجوهر، وهكذا يجب أن تكون إذا ما أردنا بها أن تكون خطة شاملة، فلنُمنح سيادة على جزءٍ من العالم كبير بما يكفي للوفاء بالمتطلبات العادلة لأُمةٍ ما، ويمكننا تدبر الباقي، فلدينا القوة الكافية لإنشاء دولةٍ، بل دولة نموذجية فنحن نملك الموارد البشرية والمادية اللازمة للوصول لذلك الغرض، وسيتم تنفيذ الخطة من خلال «جمعية اليهود» التي تقوم بالعمل الإعدادي في ميادين العلم والسياسة، ثم تتولى «الشركة اليهودية» تنفيذهما بشكل عملي، وما أن تقوم القوى بإعلان رغبتها في إقرار سيادتنا على قطعة محايدة من الأرض، حتى تدخل الجمعية في مفاوضات حول امتلاك الأرض، وهنا نأخذ بعين الاعتبار منطقتين فلسطين والأرجنتين».

وشخصيًا ومن باب الإنصاف والموضوعية، فإننا لو دققنا في كلمة «نموذجية» فسنجد أن إسرائيل التي هي وليدة أفكار هرتزل تتمتع بمميزات تجعل منها دولة نموذجية، وهذه المميزات نفتقدها في عالمنا العربي حيث إن الجميع يخضع للقانون من رئيس الدولة حتى أصغر مواطن، وهذا ما يردده أبي دومًا على مسمعي، ويقول نتمنى لو يصبح لدينا قانون مثلما عندهم، فالكثير من القيادات السياسية والعسكرية تخضع لاستجواباتٍ قانونيةٍ بشأن ممتلكاته، ويطبق عليه «من أين لك هذا» كما أن تصرفاته في كل الأوقات خاصة الحرب بشكل خاص تخضع للتقييم المستمر لأن سوء تصرفه ينعكس على الوضع الداخلي، ولنا في اعتقال أولمرت رئيس الوزراء الصهيوني على خلفية تهم عديدة، عبرة كبيرة، حيث كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت ذات يوم عن قيام مصلحة السجون الإسرائيلية بمعاقبة رئيس الوزراء الأسبق «أولمرت» المعتقل في سجن معسياهو وحرمانه من الزيارة لمدة شهر بسبب انتقاداتٍ لاذعةٍ وجهها لإدارة السجن، حيث علق مسئول في مصلحة السجون بالقول «لا يوجد سجن VIP فالجميع هنا يحصلون على نفس المعاملة»، طبعًا هذا الرأي لا يقر لهم بممارساتهم العنجهية تجاه فلسطين أرضًا وشعبًا، بل هم يلتزمون بالقانون تجاه أنفسهم فقط، وهذا لا ينفي وجود تمييز وعنصرية بين طبقات اليهود.

وبالعودة إلى (فلسطين والأرجنتين) تحدث هرتزل عن الأرجنتين ذاكرًا مناقبها من حيث مناخها ومساحتها وضآلة سكانها في ذاك الوقت، لكنه حينما تحدث عن فلسطين قال «هي وطننا التاريخي الخالد في ذاكرتنا أبد الدهر، فمجرد ذكر اسمها يجذب شعبنا بقوة هائلة»، وهذا يؤكد أن هرتزل عزف على الوتر الديني والقومي عند اليهود تجاه فلسطين من أجل كسب تأييدهم.

حاول هرتزل استغلال الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به الدولة العثمانية بقيادة السلطان عبد الحميد الثاني، حيث قال «فإذا ما أعطانا فخامة السلطان عبد الحميد الثاني فلسطين، فسنقوم بدورنا بتدبير جميع الموارد المالية لتركيا، حيث يتعين علينا أن نشكل هناك جزءًا من السور الواقي لأوروبا ضد آسيا، وحائط صدٍ أماميًا للحضارة مقابل البربرية، ويتعين علينا البقاء على اتصال بأوروبا بأكملها، الأمر الذي سيؤمن وجودنا».

إن ما قاله هرتزل يؤكد أن اليهود يسعون دومًا لاستغلالِ حاجة الدول من المالِ لتمرير مشاريعهم من خلالها، لأنهم بذلك حسب رأيهم يؤمن لهم مكانة في تلك الدولة، مكانة على الصعيد الفردي لليهود وعلى الصعيد الجمعي.،،،يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد