ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ كان هذا هو العنوان الذي وضعه المفكر الهندي لأشهر مؤلفاته، والذي بسببه سيصبح أشهر مفكر في المشرق العربي والعالم الإسلامي بصفة عامة، صدرت من الكتاب أول طبعة في خمسينات القرن المنصرم، والتي ستلقى استحسانًا وقبولًا منقطع النظير من لدن مثقفين ومفكرين إسلاميين، أبرزهم المفكر سيد قطب رحمه الذي قدم للطبعة العربية، وأثنى عليها وأشاد بها نظرًا لأهميتها، وخاصة أنها أتت في زمن كان المشرق العربي أحوج إلى أمثال هذه الكتب التي تبث فيه روح الإسلام من جديد.

أبو الحسن علي الندوي مفكر هندي، ولد بقرية «تكيّة كلان» من مديرية«رائي بريلي» قرب «لكهنؤ» بالهند عام 1913م، ونشأ في أسرة متديّنة متعلّمة، نبغ منها عدد من العلماء والدعاة، عمل مدرّسًا بدار العلوم في لكنهؤ مدّة عشر سنوات، واشتغل بالصحافة، وساهم في تحرير مجلّة الضياء كما أسّس جمعيّة لنشر الإسلام بين الهنود، له عدت مؤلفات أبرزها هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

تأثر أبو الحسن الندوي رحمه الله بسقوط الخلافة الإسلامية، وهو الذي كان يرى أن لا منجى للعالم أجمع إلا بقيادة مؤمنة، لذلك كان يرى أن هذا العالم قد خسر الكثير بفقدانه للقادة الإسلاميين، حاول أن يجيب عن السؤال أعلاه في كتابه ذا، لكن ذلك استدعى منه أن يتتبع تاريخ الحضارات والأمم قبل مجيء الإسلام.

عند مطالعة هذا الكتاب ستدرك أن هذا الرجل له إلمام كبير بثقافة الشعوب والأمم، سواء قبل الإسلام أو بعده، يستهل كتابه ذا بوصف العالم قبل مجىء رسالة الاسلام، ويتتبع الحضارات والديانات التي كانت سائدة في العالم آنذاك، يوازن في وصفه لجغرافية العالم، بين مشرقه ومغربه، وجنوبه وشماله، ليذّكر بالفساد الذي كان يعم العالم آنذاك، والذي كان مستشريًا داخل تلك الحضارات بشكل كبير، سواء الرومية منها أو الفارسية، مستعينًا بمفكرين وفلاسفة غير مسلمين.

كما يتعرض لوصف انحراف الأديان القائمة حينذاك، وهي اليهودية والنصرانية، كما يذكر أسباب انحرافها وتحولها إلى وثنيات تُعبد من دون الله، ويخلص إلى أن العالم كان أحوج إلى ديانة تعيد الإنسانية إلى مسارها المستقيم، ولذلك أنزل الله هذا الدين الإسلامي الشامل، الذي أُنزل ليُعيد بناء المجتمعات، ويصحح طريقها، لتدين إلى ربها الذي خلقها، وهو كفيل بأن يريها الطريق الذي ينجيها ويجنبها المهالك، في دنياها وآخرتها، وأما عن اختصاص الله للعرب بهذا الدين، فذلك لأنهم الأمة الوحيدة التي كانت لم تفسد فطرتها بعد، بسبب عدم انتشار الفلسفات، وغير ذلك.

من بين أهم الأمور الذي عالجها الندوي رحمه الله في كتابه ذا، هو سبب انحطاط المسلمين، فيجملها في كلمتين هو تضيعهم، لمفهومي: الجهاد والاجتهاد، وهذان هما اللذان كانا سببا نهضة الأمة الإسلامية، كما يذكر بعض الأسباب الأخرى المهمة، والتي بدورها ساهمت في انحطاط المسلمين، وهي: انتقال الإمام من الأكفاء إلى غير الأكفاء، فصل الدين عن السياسة، واستبعاد الحكام لذوي العلم من مراكز القرار، انتشار الضلالات والبدع، وسوء تمثليل المسلمين للإسلام، وأهم أمر هو قلة اعتنائهم بالعلوم التجريبية، مفضلين الاشتغال بمجالات أخرى، كالفلسفات والجدالات.

كما يناقش مسألة الجاهلية، ويعتبرها انها ليست مدة زمانية انتهت بمجىء الاسلام، بل هي وصف لا يختص بزمان دون آخر، وبهذا الصدد فإنه يعمد إلى مقارنة المجتمع الأروبي القائم الآن بالمجتمع اليوناني القديم، وأنه لا فرق بين الاثنين، هذا ليس إنكارًا منه، لفضل المجتمعات الأوروبية، في التقدم العلمي، لكنه يشير بهذا رحمه إلى التخلف الروحي والقيمي، الذي تعرفه أروبا، ولذلك فهو يرى أن هذه الحضارات تحمل هلاكها بيدها، لأنها أغفلت الاهتمام بالقيم الإسلامية، ويراها ما هي إلا نتاجًا للحضارات اليونانية.

ولعل أطرف فكرة يناقشها في هذا الكتاب، هو لومه للعرب أوج تقدمهم العلمي والحضاري، ووصفهم بأنهم لم يستطيعوا أن يوصلوا المجتمع الانساني إلى المستوى المطلوب، نظرًا لكثرة المدة التي أوتوها لقيادة العالم، إذ يرى أن ما وصل إليه علماء الطبيعة المسلمون، وإن كان أرقى من سابقيهم، إلا أنه لا يتناسب مع فتوحاتهم الواسعة في دوائر علمية أخرى، ويرجع ذلك إلى سبب اهتمامهم، بمسألة الروح، وفلسفة الاشراق، ووحدة الوجود، التي بذلوا فيها مسعى كبيرًا.

وأخيرًا يخلص إلى أن الاسلام هو الكفيل بقيادة العالم، وذلك لأن أوروبا تحولت إلى نصرانية جاهلة مادية، وتجردت من كل ما خلفته النبوة من تعاليم روحية، وفضائل خلقية، ومبادىء إنسانية، وأصبحت لا تؤمن في الحياة الشخصية إلا باللذة والمنفعة المادية، وفي الحياة السياسية إلا بالقوة والغلبة، وثارت على الطبيعة الإنسانية، والمبادىء الخلقية، وشغلت بالآلات واستهانت بالغايات، ونسيت مقاصد الحياة، وبذلك فلا سبيل لإنقاد العالم من جديد إلا عودة الإسلام الذي أنقذه من تلك الحياة الفاسدة التي كانت سائدة قبل مجيئه.

ولعل أجمل اعتراف من هذا المفكر الفذ، هو رؤيته أن العالم العربي هو الكفيل بالزعامة الإسلامية، فإن كان الله اختارهم في البداية لحمل رسالته فهم الآن أولى لإعادة حمل مشعل نوره إلى الإنسانة كافة، وذلك لعدة أسباب حباهم الله بها، لكن ياليت شعري، أين العرب اليوم من الزعامة على أنفسهم، بله أن يتزعموا العالم!

لكن ذلك ليس غريبًا على أمة ظهر فيها أمثال: حمزة، والعباس، والمقداد، وعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، نحن اليوم أصبحنا نستحي من الانتساب لأمة العرب، لكن ذلك لسبب جهلنا وتخلفنا، بل عدم معرفتنا لتاريخنا، ولذلك فنحن أحوج إلى إعادة قراءة تاريخنا، للاطلاع على مجد أمتنا الذي ظل رابضًا بين الكتب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد