قراءة في الفصل الأول من الكتاب: آفة تدوين الحديث

طفا على السطح في الآونة الأخيرة ومنذ سنوات جدال كبير قديم ومتجدد، حول كتاب يعتبر من أهم كتب (علم) الحديث وهو كتاب الإمام البخاري الجامع الصحيح المعروف باسم صحيح البخاري ويحيلنا هذا الجدال والنقاش تلقائيًا من تمحيص ودراسة هذا الكتاب إلى ضرورة تمحيص التراث الديني الذي وصلنا ككل، وباعتبار ما قاله أو فعله الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وما اصطلحنا على تسميته بالسنة هو الجزء الأكبر والأهم من هذا الموروث، فإنه بطبيعة الحال يتمتع بنوع من القداسة والهالة التي تعطيه حصانة تحاول منع أي باحث يرغب في الاقتراب من نصوصه وتفكيك خباياها والتعامل معها بشكل منهجي علمي كأي نص تاريخي، في هذه الحالة يجد الباحث أو الكاتب نفسه في مأزق خصوصًا إذا كان ينطلق من خلفية إسلامية تقدس هذا الموروث، فلا هو قادر على اعتباره نصًا تاريخيًا غير مقدس فيتعامل معه بطريقة علمية محضة، ولا هو قادر على التعامل معه كنص مقدس لا يحتمل الخطأ والتغاضي عن كل المشاكل والتناقضات التي يحتويها هذا الموروث.

من هنا انطلق الباحث والكاتب المغربي الأستاذ رشيد أيلال في كتابه الذي نحن بصدد الحديث عنه «صحيح البخاري، نهاية أسطورة»، حيث نزع صفة القدسية عن كتاب صحيح البخاري وتعامل معه كنص تاريخي يقبل النقد كأي نص آخر، وتجدر الإشارة هنا أن نزع القدسية عن هذا الكتاب لا تعني أبدًا الطعن فيه أو في كاتبه الإمام البخاري بل تعني إنزاله منزلته الطبيعية باعتبار أنه عمل بشري يقبل الصواب والخطأ، بل إن من الخطير جدًا اعتباره على درجة من القداسة مع كل ما يحتويه من تناقضات وتعارض صريح مع النص القرآني في عديد المواضع لأن ذلك يؤدي إلى خلق نوع من الشك والريبة في نفوس كل من يطلع على الكتاب ويكتشف تناقضًا كبيرًا في بعض نصوصه فيحصل عنده صدمة معرفية قد تؤدي إلى رفض السنة كاملة وبصفة نهائية أو حتى إلى الخروج من الدين كلية لأن الإنسان بفطرته وعقله لا يقبل أن يقدس شيئًا يرى فيه عيبًا مكشوفًا وتناقضًا واضحًا.

ومن أبرز أوجه التناقض الموجودة فيه كما يوضح الأستاذ «أيلال» في الفصل الأول من الكتاب المعنون «آفة تدوين الحديث» هو وجود هذا الكتاب وأمثاله أصلًا، حيث أن الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري وغيره أنه نهى عن تدوين الأحاديث والاكتفاء بتدوين القرآن فقط، وكذلك حذا حذوه الخلفاء الراشدون بعده وهذا بنصوص موجودة في كتب الصحاح وأهمها صحيح البخاري، حيث لو اعتبرنا أن هذه المرويات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة فإن مدوني الحديث خالفوا الرسول ولم يأتمروا بأمره فدونوا أحاديثه رغم نهيه عن ذلك وهذا إشكال منطقي كبير يقع فيه من ينتصر لطرح القداسة والذين صدعوا رؤوسنا بجملة «كل ما جاء في البخاري صحيح» حيث أنهم بإدراجهم أحاديث المنع في الصحاح اعترفوا ضمنيًا بأن ليس كل ما تحمله هذه الصحاح صحيحا، أو بمخالفتهم لأمر رسول الله واتيان ما نهى عنه وفي كلتا الحالتين هم في وضع منطقي لا يحسدون عليه.

ويقوم هنا الأستاذ أيلال في هذا الفصل بالرد على تبريراتهم شيئًا فشيئًا وينطلق من فريق يقول أن أحاديث المنع نسختها أحاديث الإباحة، أي أن الرسول أباح تدوين الحديث في أواخر حياته بعدما كان قد منعه من قبل، وهذا ما لا يقبله عقل -حسب أيلال- حيث كيف يعقل أن يكون الرسول أباح ذلك في أواخر حياته والخلفاء بعده ساروا على نهج منع التدوين كما تثبته النصوص، وكأنهم ضربوا عرض الحائط موضوع النسخ هذا ولم يعترفوا به وإلا لكانوا سمحوا للناس بتدوين ما سمعوا عن الرسول الكريم ولكنهم لم يفعلوا، فالأولى إذا إن كان هناك نسخ أن تنسخ أحاديث المنع أحاديث الإباحة لا العكس.

العذر الثاني الذي قدمه الأستاذ أيلال نقلا عمن سبق ذكرهم هو قولهم «منع تدوين الحديث كان خلال حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر نزول الوحي حتى لا يختلط كلام الله مع كلام رسوله» وهذا حسب أيلال كلام خطير لا يصح قوله حيث إننا ضمنيًا نساوي بين كلام البشر وكلام رب البشر وهو ما لا يعقل.

وينتقل بنا الأستاذ رشيد أيلال بعد هذا للحديث في نقطة مهمة وخطيرة وهي قول بعض الشيوخ أن «السنة قاضية على القرآن» بمعنى أنه إذا توقفنا على تعارض صريح واضح بين القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبين المرويات التي تنسب للرسول صلى الله عليه وسلم، فإننا عكس ما تتوقع عزيزي القارئ نرجح المرويات أو ما نصطلح على تسميته بالسنة، ويورد الكاتب هنا بعض الأمثلة التي حصل فيها هذا فعلا، والتي تتعارض فيها الأحاديث الصحيحة مع القرآن الكريم تعارضا واضحا وتناقضا تامًا.

ونفس الأمر يحصل معنا حين ننتقل للحديث عن قولهم أن «السنة ناسخة للقرآن» وهي حسب رأي الكاتب آفة أصابتنا في ديننا إن نحن صدقنا بأولوية مرويات ظنية الثبوت تنسب للرسول الكريم على كلام الله تعالى قطعي الثبوت، وينقل لنا الكاتب رأي المفكر الكبير محمود أبو رية في هذه الجزئية من كتابه أضواء على السنة المحمدية، ويعرج على حديث «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» ويبين مناطق الإشكال في هذا الحديث الموجود في صحيح البخاري.

وبعدها يتحدث الكاتب الأستاذ رشيد أيلال في آخر جزء من هذا الفصل عن حرب المرويات، ويقول أنه بعد انقسام المسلمين إلى فرق متعددة من سنة وشيعة وخوارج… إلخ أخذت كل فرقة تعلي من شأنها وتضع من شأن الفرق والمذاهب الأخرى من خلال أحاديث موضوعة منسوبة كذبًا وزورًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبسبب كثرة هذه الأحاديث المكذوبة فقد تسلل منها الكثير للصحاح ومنها صحيح البخاري، ويورد هنا أمثلة بارزة من البخاري وغيره من كتب الحديث توضح بعضًا مما تسلل لهذه الكتب، وبهذا ينهي الكاتب الفصل الأول من كتابه.

ولنا وقفة مع باقي الفصول واحدًا واحدًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد