وصلت في قراءتي لكتاب «فن اللامبالاة» للكاتب مارك مانسون الفصل الثالث، حيث يتحدث هذا الفصل عن الشعور العالي بالاستحقاق والناس الاستثنائيين.

يتحدث مارك حول شخصية أسماها جيمي، هذا الشخص كان لديه شعور عالي بالاستحقاق،  وكان إنسان مليء بالإيجابية السامة؛ إذ إن حياته دون مشكلات، وهو محق طوال الوقت حسب وجهة نظره حول نفسه، كان يخدع الناس بأفكاره الإيجابية وثقته الزائفة بنفسه، يشرح مارك في كتابه «فن اللامبالاة» أن خلال ستينيات القرن الماضي أصبح تطوير تقييم الذات هو السائد، أي أن يكون للمرء أفكار ومشاعر إيجابية حول نفسه؛ إذ أثبتت الأبحاث في ذلك الوقت أن الذين يقيمون أنفسهم تقييمًا عاليًا يكونون عادة أصحاب أداء أفضل، أما في فترة السبعينيات أصبحت ممارسة تقدير الذات موضوعًا يتعلمه الأهل ويشدد عليه المعالجون النفسيون وبدأت الندوات والحلقات التحفيزية والشركات تنشد الأنشودة نفسها الغربية التي تتمثل بهذه العبارة «إنه يمكن لكل واحد منا أن يكون استثنائيًّا». لكن بعد جيل أظهرت البيانات أننا لسنا استثائيين، واتضح أن مجرد إحساسك الجيد تجاه نفسك لا يعني شيئًا في حقيقة الأمر واتضح أيضًا أن تعليم الناس أن يعتقدوا أنهم استثنائيين، وان يكون لديهم إحساس جيد حول أنفسهم، لن يخلق في المجتمع أمثال بيل جيتس بل إنه يعطي مجتمعًا أمثال جيمي!.

مارك يسرد في كتابه أن الذين يشعرون بإحساس عالٍ بالاستحقاق إذا فعلوا شيئًا جيدًا في حياتهم، فإنه ناتج عن إنجاز عظيم أنجزوه، فيما إذا أخفقوا، وحدث لهم حدث سيئ فإن فلانًا يغار منهم ويحسدهم، يوضح مارك أن هؤلاء الأشخاص، يعملون أي شيء حتى يغذون أنفسهم بمشاعر التفوق، وحتى إن كان على حساب غيرهم. يؤكد صاحب هذا الكتاب أن هذه الإستراتيجية فاشلة وأنه مخرج سهل وليس سعادة.

يشير مارك مانسون أن الشخص الذي يرى أن له قيمة كبيرة هو الذي ينظر إلى الأجزاء السلبية من شخصيته نظرة إيجابية، بمعنى اعترافهم ببعض سلبياتهم، على سبيل المثال؛ يعترفون لأنفسهم أنهم غير كاملين ويطلبون مساعدة الاخرين ولايعتمدون على أنفسهم؛ إذ ينظرون إلى هذا الجانب بإيجابية، ويسعون إلى تطوير أنفسهم من خلاله على عكس الأشخاص الذين يشعرون بشعور عالٍ بالاستحقاق فإنهم ينكرون مشكلاتهم ويسعون للهرب منها.

يتكلم مارك في الفصل الثالث من الكتاب أنه  عانى من فترة طفولة ومراهقة قاسية، إذ كان يتعاطى المخدرات خلسة، وكشف مدير مدرسته في إحدى المرات وهو يضع المخدرات في جيب سري في حقيبته، إضافةً إلى كل ذلك طلاق والديه الذي كانت بمثابة صدمة له، هذا ماجعله هو كذلك يشعر شعورًا عاليًا بالاستحقاق.

 استخلص صاحب هذا الكتاب أن الشعور بالاستحقاق يحصل من خلال الشكلين الآتيين:

١- أنا شخص رائع وأنتم عاجزون لاقيمة لكم وأنا استحق معاملة خاصة.

٢-أنا عاجز ولاقيمة لي، وأنتم جميعًا رائعون، أنا أستحق معاملة خاصة.

يتحدث مارك أن وسائل التواصل جعلتنا نشعر شعورًا عاليًا بالاستحقاق وخاصةً مع ظهور «جوجل» و«فيسبوك» و«يوتيوب» وهطول الكميات الكبرى من المعلومات والصفحات علينا، يقول مارك إن هذا الكم الهائل من المعلومات الاستثنائية، سيجعلنا نحن الناس العاديين في قلق وخوف تجاه أنفسنا أننا ناس غير استثنائيين لذلك نشعر دائمًا بحاجة إلى التعويض من خلال الشعور العالي بالاستحقاق، إما من خلال تضخيم الذات، أو تضخيم الآخرين، أن تطور التكنولوجيا والتسويق الجماهيري يدمر نظرة الكثير من الناس حول أنفسهم.

يرد مارك على أقوال المشاهير وحتى على مقولة أوبرا وينفري «أن جميع الناس يمكن أن يكونوا استثنائيين»  يقول مارك إن هذه المقولة متناقضة جدًا فقد صار الشخص العادي أو المتوسط هو المعيار الجديد للفشل، إذ يخشى بعض الناس قبول تواضع الحال؛ لأن قبول ذلك يؤدي بهم إلى عدم التطور في أي شيء وبالوقت نفسه، يخشون أن تصير حياتهم من دون معنى، ينوه مارك أن هذا التفكير خطير فما إن تقبل فكرة أنك لست عظيمًا أو غير استثنائي، وليس لك قيمة وتفكر أن معظم بني البشر فاشلين، وليس لهم قيمة فإن هذا التفكير خطير عليك وعلى الآخرين، على نقيض ذلك فإن الأشخاص الاستثنائيين والنادرين لايفعلون هذا؛ فهم مهووسين بتطوير أنفسهم وهذا التفكير يأتي من قناعة راسخة أنهم ليسوا عظماء، الحل عند مارك هو قبول حياتك العادية الحقيقية والواقعية لكي ترمي عن كاهلك أفكار القلق بأن تكون استثنائيًّا طوال الوقت.

اقبل حياتك العادية واسعَ إلى التطور المستمر، ولاتقارن نفسك بالآخرين، ولاتضغط على نفسك لتكون استثناءيًّا، كن أنت واسعَ إلى ماتحبه أنت، ليس مايحبه الناس. أرجو أن أكون قد أوصلت ولو قليلًا أفكار هذا هذا الكتاب المميز على أمل أن ألتقيكم في الأجزاء القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد