الفنان المصري صاحب الموهبة الفذة والأسلوب الأخاذ والاتجاه الفني المثير يوسف بك وهبي، أحد رواد السينما، وعميد المسرح المصري الذي كان له تأثير في سينما ومسرح الأربعينات من القرن المنصرم. ويبدو أن وهبي الذي عشق الفن والتشخيص وهرب من والده متجهًا إلى إيطاليا بعد أن باعت له مربيته مصاغها، قد اختار هذا الطريق عن قناعة وفكر، وخصوصًا بعدما أرسل له أبوه عبد الله باشا وهبي أخاه عباس لكي يخبره بأن هناك قطارًا متجهًا إلى ألمانيا لمجموعة من الطلاب المصريين لدراسة الطب هناك، ولا بد أن يستقله حتى يحوز رضا والده الباشا، ويغفر له هربه منه.

وبعد أن اعتزم يوسف الانصياع لرغبات أبيه وأراد أن يستقل القطار، تأخر عنه عمدًا؛ فجاءت الأخبار بأن هذا القطار تعرض لحادث أليم ومات كل من فيه من طلاب البعثة، عندها فكر يوسف وهبي في أن هذه الواقعة رسالة له بأن الفن هو الطريق الوحيد الذي يجب أن يسلكه.

وفعلًا بقي يوسف وهبي يدرس فنون المسرح في إيطاليا بعد أن تبناه أحد المخرجين لإحساسه بموهبته الفذة، بل إنه تزوج من فنانة إيطالية، وهو في التاسعة عشر من عمره، وقد ساعدته في بداية مشواره الفني، ولكن غيرتها عليه وحبها له أجج بينهما المشاكل والخلافات التي انتهت بالطلاق.

وتكتب العودة ليوسف وهبي إلى مصر بعد وفاة والده الذي ترك له ولإخوته الأربعة تركة كبيرة، كان نصيبه منها ما يقرب من 10 آلاف جنيه ذهب. فقام يوسف وهبي على الفور بتكوين فرقته الخاصة به لإنفاذ رسالته الجديدة في السينما والمسرح البعيدة كل البعد عن التجارب التي عاصرته في فرقتي الريحاني والكسار.

وابتدع الفنان يوسف وهبي السينما الأدبية والواقعية، وارتقى بفن التمثيل في سبيل الارتفاع بمستوى المجتمع، فكون فرقة رمسيس من الممثلين: حسين رياض، وأحمد علام، وفتوح نشاطي، ومختار عثمان، وعزيز عيد، وزينب صدقي، وأمينة رزق، وفاطمة رشدي، وعلوية جميل، وقدموا للفن المسرحي أكثر من 300 رواية مؤلفة ومعربة ومقتبسة؛ مما جعل مسرحه معهدًا ممتازًا للفن صعد بمواهبه إلى القمة، وصار ألمع أساتذة المسرح العربي.

حصل على لقب «البكوية» عقب حضور الملك فاروق أول عرض لفيلم «غرام وانتقام» في سينما ريفولي بالقاهرة، وإذا تناولنا المحتوى الذي كان يقدمه يوسف وهبي بداية الأربعينات فتجد أن مادته الخام قوية ورصينة، فهي تقدم باللغة العربية الفصحى، ومطعمة ببعض العامية المصرية غير المبتذلة.

كما أن الفكرة أو القضية التي يعالجها النص الروائي أو الأدبي كانت مرآة تعكس مشاكل وظواهر كانت تشغل بال وعقل الرأي العام المصري، فدائمًا كانت تتحدث أعمال يوسف وهبي عن الفقر والعوذ والجهل وخطرهم على المجتمع.

وتكلم بشكل واضح عن الطبقية الفاحشة التي كانت تنهش في جسد المجتمع! على الرغم من ثورته الهائلة والمستغربة عليها كونه أحد أبناء الطبقة الأرستقراطية، ولكنه كان بحق فنانًا يعكس قضايا أمته، وعلى الرغم من سيطرة اليهود على السينما المصرية إلا أن يوسف وهبي أخرج مادة تتسم بقربها من العقيدة نوعًا ما، والاهتمام في نهاية الفيلم بفكرة التوبة من الذنوب والرجوع إلى الله.

وهكذا ظل يوسف وهبي يقدم رسالة فنية سامية هادفة في مصر والأقطار العربية إلى أن اتجهت السلطة التي تولت مصر بعد الملكية إلى تبني سياسة ممنهجة قوامها الإسفاف، ومحاربة الدين علنيًّا، وذلك الذي أصبح واضحًا في اواخر الستينات وأوائل السبعينات.

ولعل الذي قدمه يوسف بك وهبي ممثلًا في أواخر حياته وإن كان لا يعبر عن وجهة نظره الفنية ومساره الرصين الذي اتبعه طوال حياته، ولكنه ابتلى نفسه بحب القمار الذي أفقده ثروته؛ مما جعله يقبل بعض الأعمال التي لا تناسبه. وكم من المحن التي مرت عليه جعلت رفيقة دربه الفني أمينة رزق تستأجر له شقة وتؤثثها من أموالها الخاصة لإيوائه فيها بعيدًا عن أعين الناس.

وهكذا مضت الأيام وقد ترك عميد المسرح العربي رصيدًا فنيًّا لا بأس به؛ فقد قام بإخراج ٣٠ فيلمًا، وألف ما لا يقل عن 40 فيلمًا، واشترك في تمثيل ما لا يقل عن 60 فيلمًا، مع رصيد يصل إلى 320 مسرحية.

وكانت وللأسف أسوأ محطة في حياته عندما كان يراوده حلم تشخيص وتجسيد دور الرسول العظيم سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا نملك المعلومات الكافية حول قبوله من رفضه للشركة البريطانية التي كانت تريد إنتاج فيلم يخص هذا الموضوع.

وأخيرًا، فإن المرض لازم يوسف وهبي في نهاية حياته بعدما تعرض لحادث كسر به فخذه، وذهب للعلاج في ألمانيا 1962، ورجع وقد تنكر له كل محبيه وتلامذته ولم يقف بجواره إلا رفيقته في المشوار الفني أمينة رزق وعمر الحريري، حتى أن الإذاعة بثت خبر وفاته أكثر من مرة، وهو ما أزعجه كثيرًا، وأصابه باكتئاب شديد، ثم أُصيب باختناق في الحلق، ووافته المنية في مستشفى المقاولين عام 1982 عن عمر يناهز 84 عامًا.

مات يوسف وهبي وإن اختلفنا كثيرًا علي جزء كبير من أعماله التي قدمها، ولكن هذا لا يسقط عن الرجل عبقريته ونبوغه الفني، ويعطي انطباعًا رئيسًا أن برحيل مدرسة يوسف وهبي رحلت مدرسة الفن العربي الأصيل، ولم يبق في واقعنا المعاصر إلا الإسفاف والابتذال.

الغريب في الموضوع أن كل مجال كان لمصر فيه رواد وعباقرة وأساتذة ومدارس كانوا في عصر الملكية، وإذا تحولت إلى الإسفاف والابتذال والاضمحلال فسوف تجدها مرتبطة بالحكم العسكري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فن, وهبي, يوسف
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!