ذكرنا في المقال السابق، عن الثورة وقوادها، ومن الذي خطط لها، وما آلت إليه الأحداث من معارك وصدامات بين ثوار حوران والقوات الفرنسية، وظهر لنا كيف أن مشايخ حوران كانوا على قدر المسؤولية، رافضين الاستعمار بكافة أشكاله، وأن أهل حوران لا يرضى أحدهم الضيم في بلاده، وكما سلف نرى أن ثوار حوران بعد قتال مرير اضطروا للجوء إلى المفاوضات مع المستعمر الفرنسي.

معاهدة الشيخ مسكين واعتقال زعماء حوران:

بعد أن دارت المعارك بين الحوارنة والقوات الفرنسية، كمعركة غباغب، ومعركة الدير علي، ومعركة الدلي، وغيرها من المعارك التي أشرف عليها الشيخ إسماعيل الحريري، والشيخ مصطفى المقداد بأنفسهم، اضطر الحوارنة لعقد تفاوض مع الجنرال غورو، والذي دعا إليه في أكتوبر (تشرين الأول) 1920 في قرية الشيخ مسكين، بسبب إنهاك قدرات الحوارنة، وما جرى من تخريب ودمار للمناطق التي جرت فيها المعارك، فحضر الاجتماع مجموعة من زعماء حوران ورفض آخرون الحضور، إذ اتفق قادة الثورة على تقسيم أنفسهم إلى فئات، يقول الشيخ محمد سرور:

1- الفئة الأولى: تبقى بجانب الشيخ إسماعيل الحريري من أجل التفاوض مع غورو.

2- الفئة الثانية: تتوزع على المناطق والقرى المتوترة.

3- الفئة الثالثة: تذهب إلى شرقي الأردن.

4- الفئة الرابعة: تذهب بمهمة سياسية إلى الحجاز لمقابلة الشريف الحسين.

وأما عن هذه التقسيمات فهي لا تخرج إلا من مخطط بارع وقائد سياسي محنك، ويدل على الفكر العظيم الذي حمله قادة الثورة، فالفئة الأولى هي رأس الحربة، والثانية للتنسيق والتعاون، والثالثة للدعم في حالة الاحتياط، فإن نجحت الفئتان الأولى والثانية في مفاوضاتهم مع الفرنسيين، كانت الثالثة داعمة لها، وإن فشلت الفئتان الأولى والثانية في المفاوضات، كانت الفئة الثالثة قادرة على تولي قيادة الثورة؛ فهي في مأمن من نتائج التفاوض، وأما الفئة الرابعة فالمهمة التي أوكلت لها لتكون الثورة الحورانية على مستوى عربي وسوري ضد الاستعمار، ولا يبقى أهل حوران في معزل وحدهم وجهًا لوجه في مجابهة دولة فرنسا.
دارت المفاوضات بين الجنرال غورو والشيخ إسماعيل الحريري، ونذكر أهم ما جاء فيها. «إن حوران لا تدين بالطاعة إلا لمن يضع مصلحة البلاد فوق كل المصالح»،
وكانت النتيجة أن اعتقل الجنرال غورو من حضروا الاجتماع، ومنهم الشيخ إسماعيل الحريري قائد الثورة، وهنا يقول العلامة محمد سرور زين العابدين: كان وقع احتجاز الفرسان العرب الثلاثة (الحريري-  الزعبي- أبو سليمان) على السوريين والحوارنة كالصاعقة. واعتقل المشايخ في سجن بُصرى الشام داخل القلعة الأثرية.
ليبقى بقية زعماء حوران خارج المعتقل، ونظرًا إلى ضعف موقف أهل حوران كان لا بد من الحصول على دعم كافٍ؛ ليستطيعوا إكمال ثورتهم، فقام الزعماء الذين رفضوا حضور الاجتماع في قرية الشيخ مسكين، ومنهم الشيخ مصطفى المقداد، وبعد أن اعتقل قائد ثورة الحوارنة، بمراسلة شيوخ الأردن والشريف حسين، ليرسل أحد أبنائه لقيادة النضال العربي ضد الاستعمار، فكانت أكثر البرقيات التي تأثر فيها الشريف حسين (ملك العرب)، موقعة من:
الشيخ مصطفى الخليلي
الشيخ مصطفى المقداد
الشيخ مطلق المذيب
الشيخ فاضل محاميد

وبناء على تلك البرقيات بعث الشريف حسين برقية إلى اللنبي المندوب السامي البريطاني في مصر، قال له فيها: «إن الرسائل التي تلقيتها من جميع زعماء القبائل السورية تنذر بالخطر والكوارث، وحيث إنني أخشى مغبة النتائج السيئة، أبادر لإحاطتكم علمًا بما جرى، على أمل أن تتخذوا الإجراءات التي ترونها ملائمة لمنع المصيبة، خاصة وأنتم تعرفون أننا دعونا السوريين إلى الثورة، ومنيناهم بالوعود».(1)

ضجت البلاد باعتقال المشايخ في حوران، وأثار القضية الشيخ فواز بركات الزعبي، وأحمد مريود، كما جاء في مذكرات اللواء علي خلقي الشراير، رئيس الحكومة الأردنية:
لا أبالغ إن قلت إن هذه الحكومة نهجت نهجًا عربيًّا، وأخذت على عاتقها الثوار العرب في سوريا ضد الفرنسيين.

وظلت الضغوط إلى أن أفرجت فرنسا عن المعتقلين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد