قبل عام من تاريخ كتابة هذا المقال، نجحت شخصيات وسبعة أحزاب سياسية إسرائيلية في الاتفاق فيما بينها على تحقيق هدف واحد مشترك بينهم، وهو إنهاء سطوة نتنياهو الديمقراطية على رئاسة الحكومة الإسرائيلية والتي استمرت 13 عامًا متواصلة، وهي أطول مدة حكم لرئيس وزراء إسرائيلي، تفوق فيها على مؤسسي دولة الاحتلال أو ما يطلق عليهم الصقور. بالتالي كانت هذه هي القاعدة التي انطلقت منها هذه الأحزاب نحو الإطاحة بنتنياهو، وتشكيل حكومة إسرائيلية ائتلافية فيما بينهم قبل نصف ساعة من انتهاء المدة القانونية الممنوحة لتشكيل الحكومة. قُطعت خلالها الوعود ووزعت المناصب وتشكل الائتلاف الحكومي. لكن ما لبث أن تحقق الهدف المنشود، حتى بدأت تطفو على السطح الخلافات السياسية والعقائدية بين أعضاء الحكومة الواحدة، الخلاف كان نابعًا من اختلاف وجهات النظر من القضايا السياسية المختلفة، أو رغبة في تحقيق مكاسب حزبية أكبر، حيث استغل أعضاء الحكومة التكوين الهش والضعيف للائتلاف في تحقيق مكاسبهم الحزبية. فالتشكيل الحكومي جمع داخله تيارات سياسية إسرائيلية متناقضة، حيث تكّون من شخصيات وأحزاب ليبرالية وأخرى يمينية متدينة وصولًا لمشاركة أحزاب وشخصيات عربية من الداخل المحتل، والتي كان لها دور البيضة التي رجحت نجاح تشكيل الائتلاف قبل نهاية الوقت المحدد.

إن المتابع للحالة السياسية الإسرائيلية يمكنه وقت تشكيل الائتلاف التنبؤ باختلال هذا التشكيل الحكومي الذي سيهدد لاحقًا استقراره واستمراره في الحكم، أو قضائه للمدة القانونية. وهذا ما حدث بالفعل، فبعد عام واحد من تشكيل الحكومة، تخلل هذا العام مشاحنات بين أعضاء الحكومة الواحدة، واختلافات عديدة، وصولًا بانسحاب بعض الأعضاء من الحكومة أو التهديد بالانسحاب. ناهيك عن محاولات زعيم المعارضة «نتنياهو» بوضع العصي باستمرار في دواليب أداء الائتلاف الحكومي في كل شيء، ومحاولات إسقاطه. كل ذلك لم يترك خيارًا أمام رئيس الحكومة الإسرائيلي «نفتالي بينيت» إلا أن يتخذ خيار الهروب إلى الأمام وقلب الطاولة أمام الجميع بطرح قانون حل الكنيست لنفسه. الذي تم الموافقة عليه في القراءة الأولى بأغلبية 110 أصوات من أصل 120، والمتوقع أن يصادق عليه في القراءتين المتبقيتين خلال الأسبوع القادم.

لكن ما هو المشهد الإسرائيلي في الأشهر القليلة المقبلة قُبيل الانتخابات المتوقع عقدها في أكتوبر القادم خاصة مع اقتراب زيارة الرئيس الأمريكي «جو بايدن» الشهر المقبل؟

أولًا: شن عملية عسكرية على إيران

في خطابه بعد استلامه رئاسة الحكومة الإسرائيلية مؤقتًا «يائير لابيد» لمّح أن إسرائيل خلال الأشهر المقبلة التي تسبق الانتخابات المتوقعة في أكتوبر القادم، لا يمكن لها أن تغفل عن التهديد الإيراني الكبير عليها، وأنها ستواجهه بكل قوة. وفي الحقيقة قد يكون شن عملية عسكرية محدودة على إيران من شأنه أن يعطي رصيد قوة لشخصيات وأحزاب الائتلاف الحالي، حيث ستؤدي هذه العملية بكل تأكيد إلى تأجيل الانتخابات المتوقع عقدها في أكتوبر القادم، وستعطي زخمًا انتخابيًّا كبيرًا لـ«لابيد» و«بينيت» مستقبلًا أمام خصمهم العنيد نتنياهو في حال تحقيق نصر في المعركة الإيرانية. لكن صراحة الدخول في حالة حرب مع إيران في هذا الوقت الحساس يعتبر مغامرة كبيرة جدا، ولا يوجد أي شخصية سياسية في إسرائيل حاليًّا تمتلك الجرأة لفعل ذلك، لأن نتائج هذه العملية العسكرية حتى وإن كانت بمشاركة تحالف دولي عربي غير مضمونة بالمطلق. هذا غير انشغال المجتمع الدولي بالحرب الروسية الأوكرانية وتبعاتها على الاقتصاد العالمي وأزمة إمدادات الغذاء والطاقة التي بدأت تأخذ منحنى خطيرًا. بالتالي يعتبر هذا السيناريو بعيد الحدوث.

ثانيًا: شن عملية عسكرية على غزة أو تقديم هدية كبيرة للمستوطنين في الضفة

لقد كانت دومًا القضية الفلسطينية حاضرة في أسهم الانتخابات الإسرائيلية، ولا نستبعد أن يتم استدراج الفلسطينيين في قطاع غزة نحو عملية عسكرية، تحاول إسرائيل من خلالها استعادة قوة الردع، التي اختلت بعد معركة «سيف القدس» العام الماضي، التي بادرت فيها المقاومة الفلسطينية في غزة بقصف المدن والبلدات في العمق الإسرائيلي ردًا على الانتهاكات الإسرائيلية في مدينة القدس.

قد تبدأ الحملة بعملية اغتيال لشخصية سياسية أو عسكرية بارزة على الساحة الفلسطينية، يتبعها رد من المقاومة الفلسطينية. وتتدحرج الأمور بعد ذلك لعملية عسكرية محدودة، يخرج بعدها أعضاء الائتلاف الحكومي الحالي بصورة إنجاز أمام جمهور الناخبين الإسرائيلي، الذي بدوره سيعزز من فرصهم في الانتخابات القادمة. وهو سيناريو متوسط إلى قريب الحدوث.

أما على صعيد الضفة الغربية، حيث تعتبر الساحة هناك مريحة بشكل أكبر للعمل عليها بما يخدم مصالح الأحزاب الإسرائيلية، كونها لا تحمل ذات التهديد الذي يحمله قطاع غزة. ومن المؤكد أن أعضاء أحزاب الائتلاف الحالي سيعملون على تقديم خدمات كبيرة للمستوطنين في الضفة الغربية، من خلال تضمين ومصادرة أراضي لصالح مشاريع الاستيطان هناك أو المصادقة على مشاريع بناء وحدات استيطان جديدة.

ثالثًا: التطبيع مع دولة عربية جديدة

وهنا سأحاول الربط بين زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى المنطقة الشهر القادم، وبين احتمالية تطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية تحديدًا. حيث تابعنا زيارات مكوكية لولي العهد محمد بن سلمان إلى عدة دول في المنطقة، حيث زار مصر، والأردن وتركيا، التي لاقى بها حفاوة ترحيب من الرئيس التركي «أردوغان» بعد أن كانت العلاقات بين البلدين متوترة بشكل كبير بعد قضية مقتل الصحافي المعارض للنظام السعودي «خاشقجي» في السفارة السعودية في تركيا. ويبدو أن هذه الزيارات جاءت لتدارس ولوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية التطبيع المتوقعة بين إسرائيل والمملكة السعودية. وزيارة الرئيس الأمريكي ستكون بروتوكولية واحتفال بإعلان توقيع الاتفاقية بين الاحتلال الإسرائيلي والمملكة. وأغلب التقدير أن هذا السيناريو هو أقرب السيناريوهات حدوثًا.

خاتمة

عديد من المؤشرات واستطلاعات الرأي رجحت عودة قوية لبنيامين نتنياهو في الانتخابات القادمة، ومن المحتمل أن ينجح في تشكيل ائتلاف حكومي جديد برئاسته. بالتالي من المتوقع أن يحتدم التنافس بين الأحزاب الإسرائيلية، وستعمل جاهدة في تحقيق أي تقدم على العودة المرتقبة لنتنياهو، خاصة أن الأخير نجح في كشف مدى ضعف الائتلاف الحكومي الذي يقوده بينيت. وبات الشارع الإسرائيلي مقتنعًا بضعف هذه الحكومة على الصعيد الداخلي والخارجي.

إن المشهد الإسرائيلي المرتقب ليس ببعيد عن مشاهد سابقة، تسعى فيه الأحزاب الإسرائيلية إلى تحقيق مرادها بشتى السبل، وإن كان ذلك على حساب الفلسطينيين ودمائهم. لذا ندعو إلى تفويت أي فرصة يحاول من خلالها الاحتلال الإسرائيلي أن يحقق نجاحًا انتخابيًّا على حساب الفلسطينيين، ما لم يكن هنالك تعدٍ كبير على الفلسطينيين، يهدد وجودهم أو هويتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد