كتاب «دين الفطرة»، أو «عقيدة القس من جبل السافوا»، لمؤلفه المفكر والأديب الفرنسي «جان جاك روسّو»، قام بترجمته إلى العربية «عبد الله العروي». يقسم المؤلف كتابه إلى قسمين رئيسين: أولهما، يتناول فيه الحجج العقلية والمنطقية للفلاسفة، بشيء من التفصيل؛ إذ ينتقدها، ويفند أخطاءها. والآخر، يتناول فيه ـ بشكل رئيس ـ الديانات السماوية الأخرى، ومصير البشرية إزاء هذا الصراع، وضياع الفرد أمام كل هذه الديانات المتناحرة، التي يكذب بعضها بعضًا.

كنت قد شرعت في قراءة كتابه «العقد الاجتماعي»، عندما وقع كتيبه هذا بين يدي، ظاهريًا كان من الصعب جدًا التكهن بأن الكتاب سيحمل كل ما حمل في داخله؛ إذ إن عدد صفحاته قليل نسيبًا، وطريقة تدوين الملاحظات فيه، وكونها غير مصنفة، يجعل منه شبيهًا ـ إلى حد ما ـ باعترافات أو مراسلات، بين قس وتلميذه، لكن المفاجأة كانت بين ثنايا سطور هذا النص السهل الممتنع!

تناول روسّو ـ في القسم الأول من الكتاب ـ مسائل فلسفية شائكة، بثقة عظيمة، أصاب في انتقاد بعضها بحجج دامغة، وبالغ في تضعيف بعضها الآخر، ومن ذلك انتقاده الأخلاقي للفلاسفة، وتعميم الحكم بالنفاق والخداع عليهم، بل تأكيده على أن همَّ الفيلسوف ـ الأول والأخير ـ أن يكون مختلفًا عمّن يحيطون به، فإن كان بين المؤمنين، فهو ملحد، وإن كان بين الملحدين، فهو مؤمن.

وقد وجدت في ذلك تعميمًا مجحفًا، ربما كان سببه بغض روسّو للفلاسفة الطبيعيين، الذين عاصروه، وخلافه الدائم مع ما يأتون به من نتائج وتحليلات عن أصل الإنسان وطبيعته، وقد وُفق في الرد عليهم في عدة مواضع من هذا الكتاب، عن طريق التأكيد على حرية الإنسان، وقدرته الاستثنائية على التفكير، والوعي بنفسه، وبما يحيط به، بدرجة عالية تصل إلى حد قدرته على مناقضة نفسه، واكتشاف أخطائها، وتقييم طريقة نظره للأمور، وتمحيص ما يأتي به من أفكار ونظريات.

ويؤكد روسّو في الجزء الأول ـ كذلك ـ على أن العقل المحض، ليس هو الآداة المثالية للوعي بالخالق، والوجود الكوني، فينتقد هذه الآلة، التي قد تقود صاحبها إلى الضلال، ويشيد بالوجدان ـ أو الفطرة ـ التي ـ حسب ما ذكر ـ قادرة على أن تدل الإنسان إلى الطريق الصحيح، بعكس قدرته العقلية، والتحليلية التي قد تضله، ولقد وجدت ـ في ما قال روسّو ـ غلوًا في تقدير الوجدان، على حساب أدوات التفكير الأخرى المتاحة لبني البشر، وهو ما يجعل دعوات روسّو في كتابه هذا، مجرد رسائل، أو وصايا، لم تتمكن أن ترقى إلى مستوى الدين؛ إذ إنها سلكت طريقًا واحدًا، وهو التجربة الوجدانية الشخصية؛ لتؤكد من خلاله على ما يفترض أن يكون دين الفطرة.

و سبب آخر يدفعني للتأكيد على أن عقيدة روسّو لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نطلق عليها اسم الدين: هو أن جوهر كل دين يفترض به أن  يعرفنا على الخالق، وعلى مراد الخالق من الخلق، وهي تساؤلات كررها روسّو بصياغات متنوعة بين صفحات هذا الكتاب، لكنه لم يتوصل إلى أية إجابة.

في القسم الثاني يتناول الحديث عمّا يسميه المسلمون بالنّقل أو الوحي بشكل خاص، والديانات السماوية، وأتباعها، وطريقة نظره إليها بشكل عام، ويفرد عدة صفحات لمناظرة بين مؤمن بالعقل ومؤمن بالنقل.

لا يمكننا القول ـ تمامًا ـ بأنه كان منصفًا في كل ما ذكر، لكنه كان ذكيًا لمّاحًا، وقادرًا على أن يضع يديه على موضع الألم، عندما تحدث عن أتباع الديانات المختلفة، فقد انتقد ما وصلوا إليه من التناحر بينهم، وتكذيب بعضهم للآخر، بل يقول ـ صراحة ـ بعجزه عن مناظرة رجل يهودي، مناظرة عادلة؛ إذ إنه يعلم نتيجة هذه المناظرة سلفًا، وليس السبب في ذلك أن حجج القس ـ أو روسّو ـ دامغة، ولكن السبب في ذلك هو أن اليهودي الأوروبي يعلم أنه مضطهد وينتمي إلى أقلية، فسيختار الإبقاء على حياته وسلامته وأمنه، عوضًا عن إقناع القس بصحة دينه ومعتقده.

وفي موضع آخر ـ من نفس القسم ـ يذكرنا روسّو بدفاعه عن العبادة القلبية الخالصة، وتأكيده على أنها مطلب الخالق من كل عباده، يذكرنا بمقولة للفيلسوف المسلم «محمد إقبال» يقول فيها «الإسلام جوهره هو المحبة القلبية الوالهة، لا المعرفة الذهنية الباردة».

في هذا القسم الثاني، رفض روسّو الوحي، وانتقده بشدة؛ مؤكدًا على أن الرب لن يحتاج بينه وبين عبده واسطة، فهو ـ كما يقول ـ يلقي بإيمانه وحبه في وجدان خلقه، فيكونوا أتباعه بهذه الديانة الفطرية الأصيلة، وكم يبدو هذا غريبًا عند مقارنته بديانات أخرى؛ إذ إن غاية الدين الوحي، ووظيفته الأساسية هي الكشف عن مراد الخالق من الخلق. وهذا يعني أن مفهوم الألوهية عند روسّو أقرب ما يكون إلى الألوهية في الديانات الشرقية؛ إذ إن الإله عند متبعي هذه الديانات لا يتجاوز كونه  حقيقة عليا، غير محددة المعالم.

مما يضعني في حيرة من أمري، عندما أرى الهوامش التي كتبها المترجم، يقارب فيها بين بعض مقولات روسّو، ومقولات العلماء المسلمين، مثل «الغزالي»، ولست أرى داعيًا لذلك؛ لأن أي مثقف يتناول عقيدة روسّو هذه، سيلاحظ أن لا شبه بينها، وبين ديانة الإسلام، ولا شبه بينها وبين الديانات السماوية الأخرى. وأعتقد إلى حد ما أن روسّو تعمد تبيان ذلك، وينطلق اعتقادي هذا من أرضية ثابتة، وهي كلمات روسّو التي خطها في كتابه نفسه.

يذهلك روسّو بما يمكن أن يصل إليه عقل الإنسان، عندما يقوده وعيه، بنقائصه وعيوبه، وتقوده ثقته بوجدانه، ويقوده تأمله إلى نتيجة يقينية، وهي وحدة الطبيعة التي تقودنا إلى وحدة الخالق.

باعتماده على قوانين العقل وشعور الوجدان أسس روسّو للعقيدة التي ستعينه على العيش راضيًا عن نفسه لما بقي من عمره.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد