منذ عدة سنوات قرأت جملة مترجمة، ما فهمته منها أن «هدف التعليم في الأنظمة الشمولية ليس غرس الأفكار في العقول»، بل «تدمير قدرة العقل على ابتكار الأفكار»، وأن هناك علاقة قوية جدًا بين انعدام التفكير والشر، وذكر في كتاب سيكولوجية الجماهير أن السهولة التي تنتشر بها بعض الآراء وتصبح طبيعية وعادية مهما كانت درجه شذوذها هي بسبب عجز معظم الناس عن تكوين رأي خاص بهم، وأن الجماهير تشبه الأوراق التي يلعب بها الإعصار ويبعثرها في كل اتجاه.

«قد يكون لك عقل، لكنه رهن الاعتقال، عقل يتصف بكل الصفات، إلا صفة التفكير والنقد والفحص والمساءلة. . عقلًا مهمته أن يبرر، وأن يكرر، وأن يدعم، دعمًا بلا شروط، ولا قيود، ولا حدود». جوستاف لوبون.

هذا في الدول الشمولية والديكتاتورية، فهل هو نفس الحال في دول العالم الحر والدول التي تسمى دول ديموقراطية؟

صحيح أن هذه الدول ديموقراطية وحرة، ولكن بها ديكتاتورية لا تقل في قوتها عن ديكتاتورية الدول الشمولية، إنها ديكتاتورية وسائل الإعلام، والتليفزيون، والإنترنت، والسينما. ديكتاتورية تشكيل وعي الناس من ساعة استيقاظهم إلى أن يناموا ليلًا، سيل من ألوف الألوف من الإعلانات، ونشرات الأخبار والمعلومات التي تغرق بها العقول وتفقدها القدرة على التفكير والابتكار والابداع. لأن العقل ينشغل بهذا السيل من الملهيات، ولا يفكر، ولا يتحرك. هدف وسائل الإعلام هو سلب إرادة الناس، وجعلهم يظنون أنهم يفعلون ما يفعلون طبقا لحريتهم المطلقة.

«يقول خبراء الحضارة الإغريقية القديمة إن الناس في تلك العصور لم يعتبروا أن أفكارهم تأتي منهم، بل عندما كانت فكرة ما تخطر لواحد من الإغريق فإنه كان يتصورها أمرًا يأتيه من أحد أرباب أو ربات الأوليمب، والآن يسمع الناس إعلانًا عن شرائح البطاطس بالكريمة الحامضة فيهرعون لشرائها، مع الفارق أنهم يطلقون على هذا اسم الإرادة الحرة». تشاك بالانيك.

إذا كان هناك أخ أكبر في رواية جورج أورويل يراقب كل الناس ويعلم كل خباياهم وما يفعلون، فهنا في الرواية بأمريكا فإن الأخ الأكبر لا يشغل باله بمراقبة الناس، ولا التفتيش وراءهم، وفي نواياهم، بل إن عمله الوحيد هو إغراقك من قمه رأسك إلى أخمص قدميك بآلاف الآلاف من المعلومات والإعلانات والأخبار التي تبث من الراديو والتلفاز والإنترنت، بحيث تكون ذاهلًا عن نفسك من وقت استيقاظك صباحًا إلى ميعاد نومك ليلًا، إن ملكات التفكير لديك ستضمحل، وعقلك سيضمر إلى أن يصير مثل زائدتك الدودية على حد وصف الكاتب.

«لقد أساء جورج أورويل العجوز التأويل، الأخ الأكبر لا يراقبنا، إنه يرقص ويغني، إنه يخرج الأرانب من قبعته، الأخ الأكبر مشغول بجذب انتباهك في كل لحظة تبقى فيها مستيقظًا، يعمل على أن تكون ملهيًا على الدوام، يتأكد من انهماكك التام، إن هدفه أن يذبل خيالك إلى أن يصير كزائدتك الدودية، إنه يسعى إلى شغلك طيلة الوقت». تشاك بالانيك.

هذه الرواية هي صرخة ذعر و وإنذار من كاتب أمريكي شعبي هو تشاك بالانيك، يعرف المجتمع الأمريكي جيدًا حتى أدق طبقاته، صرخة في وجه وسائل الإعلام التي تشكل وعي الناس، وتغرقهم بآلاف التفاصيل غير المهمة، وتشل عقولهم عن التفكير، وفي رأيي وبالرغم من أن المترجم للكاتب قليل جدًا، فإن «أغنية المهد» هي من أشد كتابات تشاك بالانيك انتقادًا للواقع الأمريكي وللمجتمع الأمريكي، فكتابته هنا صادمة وكلماته كالصفعة على الوجه، هنا في الرواية تعرية كامله للمجتمع الغربي، والأمريكي خصوصًا، وتبيين مدى الفساد الأخلاقي والمجتمعي الذي يعاني منه، فهناك لا قيمة لأية معايير أخلاقية، كل شيء معروض للبيع.

«ثمة أشياء أسوأ من العثور على زوجتك وطفلتك ميتتين، من الممكن أن تشاهد العالم يقتلهما، من الممكن أن تشاهد زوجتك والعمر يتقدم بها، والملل يلتهمها، من الممكن أن تشاهد أطفالك يكتشفون كل شيء حاولت حمايتهم منه في هذه الدنيا، المخدرات، والطلاق، والذل، والأمراض، كل هذه الكتب الظريفة النظيفة والتليفزيون والراديو، كلها عوامل لصرف انتباهك عن الحياة». تشاك بالانيك.

نكتشف أن الشعب الأمريكي هو شعب مثله مثل كل الشعوب، عقله يمتلئ بالضلالات والخرافات، ويصدق الدجالين والمشعوذين، بل إنه يعيش مدجنًا في ظل قوه الإعلام.

«ها هو الأخ الأكبر يغني ويرقص يعلفك قسرًا كي لا يجوع عقلك للتفكير أبدًا». تشاك بالانيك.

يطرح الكاتب في الرواية رؤية، ماذا لو حل عصر على الناس بحيث ينتقل المرض والموت عن طريق الكلام والأذن؟ هنا سيضطر الناس إلى وضع سدادات على آذانهم، ولا يستمعون إلا للكلمات الآمنة التي لا تقتل؟ تمامًا كما نضع كمامات الوجه للوقاية من كورونا، ماذا لو كان هناك هيئة حكومية تفتش في الكلام ومدى مطابقته للمواصفات وتاريخ صلاحيته وانتهائه تمامًا مثل أن هناك هيئات تفتش على السلع الغذائية ومدى آدميتها، ومدى مطابقتها للمواصفات وتاريخ الإنتاج والانتهاء! وشرطة تفتش عن الكلام الضار كما تفتش عن المخدرات، يستغرب الكاتب لماذا نضع رقابة شديدة على المواد الغذائية، ولا نضع رقابة على ما يخرج من وسائل الإعلام مع أن خطرهما متساو!

«لم يعد هناك من يملك عقله لا تستطيع التركيز لا تقوى على التفكير فدائمًا هناك ضوضاء تتسرب إليك، مطربون يصرخون، أموات يضحكون، ممثلون يبكون، كل هذه الجرعات الصغيرة من المشاعر، هناك دائمًا من يرش الهواء بمزاجه». تشاك بالانيك

لذلك كانت «أغنية المهد» محور الرواية، ماذا يحدث لو أن هناك قصيدة إذا ألقاها أحد على أحد مات في نفس اللحظة! هذا أيضًا تأثير وسائل الإعلام، فهي أيضًا تقتل، ولكن قتلًا معنويًا.

أتقبل بعالم مليء بالصخب والضجيج، لكنه غير آمن، أم عالم صامت لا يسمع فيه الناس إلا الكلمات الآمنة؟ إن الخيارين أحلاهما مر.

وليس الفساد الأخلاقي والمجتمعي والعقلي فقط هو ما تتحدث عنه الرواية، بل أيضًا تتحدث عن الفساد البيئي الذي حاق بالبيئة القارية الأمريكية، الحياة الطبيعية البرية الأمريكية لم تسلم، فقد تم استجلاب سلالات من النباتات والحيوانات والطيور من خارج القارة؛ مما تسبب في إخلال التوازن البيئي للقارة وانقراض وموت الكائنات الأصلية التي كانت تعيش منذ القدم على هذه الأرض فاختفت الأيائل، والظباء، والصقور، والبوم، واحتلت أشجار الوزال الأسكتلندي، والوزال الفرنسي، واللبلاب الإنجليزي محل الأشجار التي كانت موجوده من البداية، كما أدخل الطاعون الدبلي لمستعمرات الكلاب لتقليل وللتحكم بأعدادها؛ مما أدى إلى فناء 98% من هذه الكلاب، والذي ترتب عليه هلاك وانقراض 43 نوعًا من القوارض وبعض البشر عاثري الحظ، إنه العبث بالتوازن البيئي الطبيعي، ولعلنا تتبادر إلى أذهاننا الآية القرآنية التي تقول «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون».

التنوع البيئي الوحيد الذي سيتبقى لنا هو الفارق بين «الكوكا-كولا» و«البيبسي». تشاك بالانيك.

تشاك بالانيك الكاتب الأمريكي، أول مرة تعرفت فيها على الكاتب كان من خلال قصتين قصيرتين ترجمهما هشام فهمي ووضعهما في كتاب اسمه المترجم، أحببت أسلوبه الصادق والصادم، وأيضًا خفيف الظل الذي يجمع الكوميديا بالسوداوية، منذ أن قرأت القصتين، وأنا أتحرى أي شيء مترجم للكاتب، وأقرأه، فقرأت قصصًا له في كتاب المترجم الثاني، وأيضًا قرأت رواية الناجي الأخير، وكانت رائعة، وقرأت «أغنية المهد» وكانت مذهلة، أنصحكم بشد بقراءة هذه الرواية، فهي عبقرية ورائعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد