منذ زمن قديم، قدم القهر والظلم، اتخذ المواطن المصريّ أسلوبه الناقد للأوضاع، اجتماعية وسياسية، فاخترع النكتة، واعتمدها وسيلة ناجعة لنقد الواقع والهروب منه في آن، على مبدأ تزيين الموت وزركشته.

لم يشذ الأدب العربي عن تلك القاعدة، ونحى نحو الهروب من الرقابة والجمود والبيروقراطية لينتقد الواقع بأسلوب هزلي وكأن لسان حاله يقول (شرّ البليّة ما يُضحك).

لم يكتف الكاتبان المسرحيان المصريان خالد الجزار وسيد عبد النبي محمد باعتمادهما الكوميديا في تطرقهما للوضع الاجتماعي الاقتصادي لسكان مصر المحروسة في العشرية الأخيرة، بل أرادا التطرف أكثر واختارا الفانتازيا ليُبحرا بعيدًا عن مقص الرقيب ولاءاته المُعجِزة.

في متلخبطوهاش يرسم لنا الكاتبان بقلمهما لوحة سوريالية مضحكة مبكية، فهما يواكبان رائدي فضاء مصريين إلى القمر في بعثة فرضت عليها البيروقراطية أن تقتصر على تكرار نفس الأعمال التي أدتها بعثات سابقة من جمع عينات وسبر تربة وما إلى هنالك.

طبعًا يمكنك بسهولة أن تلاحظ في الرواية انعدام الكفاءة وقلة الحصص التدريبية لرواد الفضاء المصريين وتأديتهم عملهم من باب رفع العتب، ناسخةً لنا الرواية حال دوائر الدولة التي تعاني من انعدام الحافز والعامل الإبداعي لأسباب عدة.

وكعادة المصري الذي يرى نفسه العرق السائد والمهيمن، يتصور لنا الكاتبان سكان القمر بنفس الروح المصرية، بخفة دمها وإفيهاتها، بل وحتى بنفس نزواتها وطريقة تفكيرها وتحليلها للأمور.

حتى عندما ينقل الكاتبان سكان القمر ويأتون بهما إلى شبرا، التي اتخذتها الرواية المسرحية قاعدة لانطلاق رحلات الفضاء المصرية، ناقلة العمل المسرحي من قلب المجتمع المصري ليصل لقلبه، نرانا نجد أن سكان القمر لا يختلفون عن سكان شبرا اللهم إلا بأسمائهم وبعض التغييرات الخلقية في أشكالهم.

المصري جبار، أراد الكاتبان لنا أن نسمع ذلك بين سطورهما ونردده معهما، فالمصري بحشيشه وسطله وبتطويره لنظرية البالوظة التي شرحاها لنا مشكورين على لسان أحد شخوصهما، سيُجبر كل تكنولوجيا وتفوّق رجال القمر على التفاوض معه بل وتقديم العروض المغرية له دون سبب وجيه.

تظهر للعلن في المسرحية مشكلة ترهل مؤسسات الدولة المصرية كنموذج لمثيلاتها العربية، وعدم قدرتها على استيعاب التغييرات الكثيرة والسريعة، فتنحو لتسطيح الأمور وتأجيلها ما أمكن ،كما يرسم لنا الكاتبان، إلا أن المسرحية تصرّ على أن المواطن ما زال يحمل الكثير من الود والاحترام لوطنه، وأنه مستعد رغم كل المحن لخدمته وأن يكون معه على الحلوة والمرة وأن كل انتقاداته للأداء الحكومي ومحاولات هروبه، إن كان بحشيش أو بانحراف أو ببالوظة، إلا أن الوطن لازال يسكنه ويودّ كل الخير له ويعمل جاهدًا لرفعته وإفادته وتطويره.

لم ألحظ أي اختلاف بين الشخصيات حين قرأت الحوار بعد أن أخفيت الأسماء، لا أدري؟ هل أراد الكاتبان أن يقولا أننا كلنا في الهم سواء؟ وأن مشاكلنا كلنا وردود أفعالنا في مواجهة ذلك كلها واحدة؟ حتى شخصية الشاب المثقف (رشدي) وجدناه يغرق بنفس دوامات المخدرات والهلس التي نالت حتى من سكان القمر.

أعجبتني المسرحية، وأضحكني حوارها وإفيهاتها، وأعتقد أنه لو كان منها نسختان، كوميدية كهذه، وجديّة، فإنهما ستنجحان بنفس المقدار كون الفكرة لامعة وقابلة للتطوير واللعب بها لتشكيلها بأشكال عدّة.

لم يقترب الكاتبان من تناول الوضع السياسي، كعادتهما في أعمالهما، واكتفيا بعرض عدة شرائح مجتمعية ليُظهرا لنا مقدار الهشاشة التي وصل لها المجتمع البسيط الذي لم يستطع ارتياد المدارس الخاصة ومدارس اللغات التي زادت الشرخ الاجتماعي، وأجبرت الكاتبان على التحدث بلغة الشارع ليصل عملهما لأوسع شريحة ممكنة ويطرحا ما يريدان دون فلسفة وسفسطة وتطويل في السرد والتوضيح والدخول في تفاصيل قد تعقّد الحوار وتبعده عن الكوميدية التي أرادها كل من خالد الجزار وسيد عبد النبي محمد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد