رواية «الطريق» في أعماقها ليست إلا صرخة احتجاج مؤلمة ضد العجز، ودفاع حار عن الإنسان الذي لا يتوقف عن تلمس الطريق إلى المعرفة واليقين وإن افتقد معالمه واختلطت عليه الأمور وكبله ماضيه، وفي النهاية ينتفي اليقين المطلق كنتيجة منطقية لطبيعة الأحداث، يضيع طريق البحث، وتُعجِز الاحتمالات بطلَ الرواية صابر سيد الرحيمي، فلا يشعر إلا بعدم الجدوى من الاعتماد على الآخرين، ويُنهي محفوظ الرواية بأفضل جملة يُمكن أن تُقال كدلالة عن العجز التام عندما يهز صابر منكبيه ويقول: «فليكن ما يكون.».

الاتـجـاه الـتـعـبـيـري فـي الـروايـة

– الرمز

الاتجاه التعبيري الذي استخدمه نجيب محفوظ هنا لا يعنى بتقديم صورة مفصلة للبيئة أو الأحداث، ولا يهتم برصد أطوار الشخصية والكشف عن أبعادها، وإنما يسعى إلى خدمة الفكرة وإبرازها بوسائل مختلفة، وأولى هذه الوسائل هي الرمز.. أكثَرَ محفوظ من استخدامه في الرواية سواء على مستوى الشخصيات أو الصور الجزيئة، وكان في كلتا الحالتين عميق الدلالة حتى يحقق ما يريده من دعم الفكرة الأساسية أو إثراء إحساس القارئ بأعماق الشخصية الروائية.

فسيّد الرحيمي والد بطل الرواية هذا ليس إلا رمزًا للحياة النظيفة المطهرة، حياة الكرامة والحرية والسلام التي أبت على صابر أن ينشدها ويسعى لبلوغها، والتي افتقدها صابر الرحيمي إثر وفاة أمه وبقائه وحيدًا بلا مال ولا أهل ولا عمل، كذلك تُعد شخصية الشحاذ الذي اتخذ مكانًا ثابتًا في مواجهة الفندق الذي نزل صابر به بالقاهرة رمزًا حيًا لحالة الاستجداء المعنوية التي يعانيها صابر والتي من أجلها ترك الإسكندرية إلى القاهرة. وإذا كانت كريمة الشابة الفاتنة زوجة عم خليل مثالًا للذة الحسية التي انغمس فيها صابر إرضاءً لعواطفه ونزواته، وهربًا من يأسه في العثور على ما ينشده، فإن إلهام الفتاة التي كانت تعمل بقسم الإعلانات بجريدة أبو الهول تُعد نموذجًا لعشيقة الروح التي يحس معها بسكينة النفس وراحة البال، «إلهام سماء صافية يجري تحتها الأمان وكريمة سماء ملبدة بالغيوم تنذر بالرعد والبرق والمطر»، وكم كان إحساس صابر بالحيرة بينهما، ولكنه أذعن أخيرًا لعشيقة الجسد فأردته هاوية الشقاء والتعاسة إلى الأبد.

– الإيـجـاز

ثاني الاتجاهات التعبيرية الهامة هنا هو الإيجاز.. من السمات الواضحة التي تُلاحظ بسهولة اكتنازُ السرد وإضمار الكثير من الأحداث، فلم يكن من همِّ محفوظ الإسهاب في وصف الوقائع والإطالة في شرح تفصيلاتها وجزئياتها على نحو ما يبدو في المذهب الواقعي الذي استخدمه في رواياته الاجتماعية، وإنما جنح إلى الإيجاز في الوصف والاقتضاب في العبارة والوصول إلى المعنى من أقصر طريق.

سنجد في هذه الرواية نموذجًا مهمًا يبرز عناية محفوظ بهذا التركيز، وعدم الإفاضة في شرح المقدمات والذيول، حتى إن كل جملة أو عبارة تحمل – في الغالب – معنى جديدًا، الأمر الذي يُنبِّه القارئ إلى ضرورة اليقظة في متابعة السياق، وهذا هو النموذج:

وفي الشتاء سرعان ما تجنح الشمس للمغيب وترتفع أمواج الظلام. ولدى رؤيته عم محمد الساوي سأله عمن يعرف من رجال الله القارئين للغيب فدلَّهُ على رجلٍ بالدرب الأحمر يدعى الشيخة زهرة. ولما بلغ مسكنه وجده مغلقًا مختومًا بالشمع الأحمر وقيل له إن البوليس قبض عليه بتهمة الدجل. وتساءل صابر متى كان الدجل تهمة؟ وعندما رأى الفندق وهو راجعٌ إليه آثار فيه شعورٌ برتابة البيت وكآبة السجن. وجلس في الاستراحة وهي آهلة تضج بالأصوات وتختنق بالدخان.. ومن عجب أن الأحاديث لا تكاد تتغير رغم أن الوجوه تتغير كل يوم. وسمع رجل وهو يتساءل:
ألا يعني هذا فناء العالم؟
فقال بلا وعي:
في ألف داهية!
وتعالت ضحكات فأيقظته، وسأله سائل:
حضرتك مع الشرق أم الغرب؟
فقال وهو آسف على تورطه في حديث لا يهمه:
لا هذا ولا ذاك!
ثم تذكر جملة متاعبه فقال بتأفف:
أنا مع الحرب.

– الـحـلـم

كان الحلم وسيلة فنية أخرى اتكأ عليها نجيب محفوظ في النفاذ إلى باطن الشخصية الروائية وتكثيف أعمق خواطرها النفسية الكامنة في اللا وعي، وبما أن الحلم – كما يقول فرويد – هو ترجمة عن الرغبة المكبوتة في اللا شعور، فإن ذلك لا يتم وفقًا لمنطق العلاقات الطبيعية في الحياة، بل يشتمل على خلط عنصري الزمان والمكان وسائر القيم التي تتصف بها الأشياء موضوع الحلم، لكن محفوظ استخدم الحلم المناميّ استخدامًا شبيهًا بحلم اليقظة من حيث البعد عن الخلط في عناصره المُكَوِّنة له وإبراز الرغبة الكامنة في أعماق الشخصية الروائية بصورة صريحة مباشرة، كما حدث في الحلم الذي رآه صابر، فقد جاء فيه:

ورجع إلى سريره بعد أن أغلق الباب وعناقها لاصقٌ به كالعبير، واستلقى في ارتياح عميق فسرعان ما زحف عليه التخدير، وقال إنه يشعر لأول مرة بأنه يحتمل أن يستغني عن أبيه، ولكنه عندما لوح له الساوي بسماعة التليفون هرع إليه كالريح ثم هتف بجزع:
آلو؟
وإذا بصوتٍ جاد يسأل:
صابر سيد صاحب الإعلان؟
نعم أنا هو!
أنا سيد سيد الرحيمي فماذا تريد؟
لا بد من مقابلتك.
أنا منتظرك بمحل فتراكون، هل تعرفه؟
نعم سأكون عندك في خلال دقائق.

ونقرأ بعد ذلك أنهما التقيا في الزمان والمكان المحددين وكانت جلستهما على المائدة التي كانت تجلس إليها صديقته إلهام، وبعد حديث تعارف قصير تأتي إلهام فيحييها الرجل بحرارة على حين تقبل هي يده ويعرف صابر أنه والدها، «وبسرعة غير متوقعة غادرت إلهام المحل قبل أن يستطيع منعها»، وما لبث صابر بعد ذلك أن قدم للرجل «الصورة الجامعة بينه وبين أمه التي رأى نصفها في الإعلان، ووثيقة زواجه بأمه، وشهادة ميلاده ومشاهدة تحقيق الشخصية» فنظر الرجل إليها واحدة بعد الأخرى بهدوء، وبحركة سريعة راح يمزقها، وعبثًا حاول صابر منعه من ذلك فقد كان الأون قد فات، وعندئذ صاح به:

– أنت تمحو وجودي محوًا فالويل لك.
فقال الرجل دون أن يخرج عن هدوئه المثير:
– ابعد عني، لا ترني وجهك، دجال كأمك، ولا شأن لي بك، اذهب..
ودفعه عنه فتقهقر حتى اصطدم رأسه بحافة البوفيه.
واستيقظ. فتح عينيه وهو يتنفس بصعوبة، فرأى الحجرة الأثرية على ضوء النهار الذي ينضج به الشيش. وأدرك أنه عارٍ تمامًا تحت الغطاء فتذكر الليلة المنطوية بجميع ملابساتها، وتنهد بارتياح، ولكنه شعر -لشدة انفعاله بالحلم- بإعياء وحزن.

ففي هذه الفقرة اختلطت الذكرى بما يجري في الواقع وبرزت الصورتان معًا في لقطة واحدة دون أدنى فاصل بينهما.

اقرأ أيضًا: رواية «ميرامار» والواقعية الرمزية.

نـحّـات عـبـقـري لـلـصـور الـبـيـانـيـة

في مجال الصور البيانية استطاع نجيب محفوظ أن يجدد ويبتكر، لم يعتمد على الشائع المألوف من هذه الصور التي حفظتها اللغة في ذاكرتها منذ عهدٍ بعيد. وكانت معاناته الفنيّة للتجربة الروائية وإحساسه المرهف بكل أبعادها ودقائقها مصدر إلهامه في نحت هذه الصور الجديدة حتى جاءت مشحونة بكل المعاني والدلالات التي أرادها منها. وتتمثل جدة الصورة هنا في إقامة علاقات وصفية بين أشياءٍ لم تقم بينها مثل هذه العلاقة من قبل، وقد يحدث أن تتبادل مدركات إحدى الحواس أوصاف مدركات حاسةٍ أخرى والذي يمكن أن نطلق عليه اسم «تراسل الحواس»، وميزة الصورة حينئذ أنها تكون مشعة تثير في النفس الكثير من الأطياف والظلال، وتشف عما يُراد التعبير عنه من فكرة وإحساس، دون تحديد واضح له.

ولذلك نجد الوصف أميل إلى الغموض والخفاء، فالإسكندرية كما كان يراها صابر ساعة فراقه لها مسافرًا بالقطار إلى القاهرة:

مدينة الأطياف مغروسة في حلم الخريف.

ورؤية عم خليل الكليّة يصفها نجيب محفوظ بقوله:

واحتارت في عينيه الناضبتين نظرة باهتة ممصوصة كأنما لم تعد تعنى برؤية العالم.

ويصف موقع إلهام رمز السكينة والقيم والسامية من نفس صابر لحظة احتدامها بالرغبة الجنسية في كريمة بأنها تنزوي

 في ركنٍ كالندم عند طغيان الجريمة.

الـعـبـقـريـة فـي اسـتـخـدام تـيـار الـوعـي

يصف نجيب محفوظ حيرة صابر عقب إحدى مقابلاته مع إلهام بمحل فتراكون بميدان التحرير فيقول:

العقل ينصحه بأن يهجر الهدم ولكنه لا يستطيع، هي كأبيه فيما تعده به وفي أنها حلم عسير التحقيق. أما كريمة فامتداد حي لأمه فيما تهبه من متعة وجريمة. ارجع إلى الأسكندرية واعمل قوادًا لأعدائك، اقتل واغنم كريمة ومالها، استخرج الرحيمي من الظلمات وتزوج إلهام. آه.. وشتاء القاهرة قاسٍ لا يضمر المفاجآت ولا يعزف موسيقى السماء، وما أزحم شوارعها ومحالها فهي سوق تتلاحق فيها الأجساد والسيارات، وأكثر من امرأة تجد فيك ما تبحث عنه بنظرة واحدة على حين تشقى أنت عبثًا في البحث عن سيد الرحيمي.

من هذه الفقرة يتضح الكثير من خصائص تيار الوعي الذي يستخدمه محفوظ بعبقرية، أولها هو هدم الاعتراف بمنطق تقسيم الزمان إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل بحيث يختص كل منها بوجود مستقل، وإنما يذوب الحاجز بينهما فينساب الماضي في الحاضر في المستقبل المتخيَّل ويختلط بهما فنرى مشهدًا قد حدث في الماضي يشتبك مع مشهد آخر يقع في الحاضر أو يتخيل وقوعه في المستقبل، وذلك لأن سمة الوعي نفسها تستلزم نوعًا من الحركة لا يتقدم بالتقدم الآلي للساعة، بل تستلزم بدل ذلك حرية التنقل إلى الخلف وإلى الأمام.

كذلك لا يعترف تيار الوعي بالحدود الفاصلة في المكان بل يمحو هذه الحدود، وتتداخل الصور المتباعدة في المكان على نحو يشق تميزه على القارئ ولا يهتدي إليه إلا بعد جهد ومعاناة، وكلا الأمرين يمكن أن نطلق عليهما اسم «المونتاج» كاستعارة من صناعة السينما، وإذا قسمنا المونتاج إلى قسمين، الأول زمني.. أي صور أو أفكار من زمن معين على صور أو أفكار من زمن آخر معًا، والآخر مكاني.. أي الذي يبقى فيه الزمن ثابتًا على حين يتغير العنصر المكاني، إذا انطلقنا من هذه التقسيمة سنجد أن محفوظ قد استخدم كلا النوعين في الرواية، ومن الأمثلة على هذا التداخل الزماني والمكاني في السياق الروائي لتوضيح ما أقصد ما جاء في وصف رؤية صابر لكريمة، حيث استحوذت على مشاعره منذ أن وقعت عليها عيناه بالفندق الذي نزل فيه بالقاهرة، وأثارت في نفسه ذكرى مطاردة غرامية قديمة مع إحدى بنات حي الأنفوشي بالإسكندرية، وبعد أن تبادل معها طرفًا من الحديث حول سيد سيد الرحيمي الوجيه المفقود الذي جاء يبحث عنه مضى السياق الروائي على النحو التالي:

والتقط في اللحظة المناسبة نظرة من عيني الفتاة قبل أن تستردها، قرأ فيها شكًّا وما يشبه السخرية وكأنها تتساءل عما دعا هذا الوجيه إلى النزول بفندقها المتواضع، ولم يضايقه ذلك وقال إن الحقيقة ستنجلي عندما تعرف مهمته وسوف تعرف عاجلًا أو آجلًا. ترى هل تذكرته؟ وشعر بغرز الأظافر في ساعده عقب المطاردة البارعة التي بدأت من ساحل الصيادين بالأنفوشي واستقرت في الركن المظلم بعطفة القرشي، ولفح هواء البحر بدعابته القاسية نصفه العاري، ولكن أين كان أبوها في ذلك الوقت؟ ومتى انتقل بها إلى إدارة هذا الفندق؟!

في هذه الفقرة اختلطت الذكرى بما يجري في الواقع وبرزت الصورتان معًا في لقطة واحدة دون أدنى فاصل بينهما.

ومـضـات مـتـفـرقـة مـن الـروايـة

فكّرتُ كثيرًا عمّا سأنهي به المقال، كتبت ومسحت، ولم أجد في النهاية سوى هذه الومضات المتفرقة كأنسب وأبلغ ما يمكن أن أنهي به كلامًا كتبته عن محفوظ، فلا خاتمة مناسبة لما كتب محفوظ سوى ما كتبه هو نفسه من رأيي.

-1-

– لعله قد مات..
– ولعله حي..
– وهل أُضيِّع عمري في البحث عن شيء قبل التأكد من وجوده؟
– ولكنك لن تتأكد من وجوده إلا بالبحث، وهو خير على أي حال من بقائك بلا مال ولا أمل.

-2-

أغمض الرجل جفنيه ثم تمتم:
أبشرك بالصبر.
وقطب مغتاظًا ثم قال:
لم تقل شيئًا.
فقال الشيخ محولًا عنه رأسه:
قلت كل شيء.

-3-

– كيف فقدته؟
– تاريخ قديم سأحدثك عنه في ظرفٍ آخر.
– ولم لا يريد أن يتصل بك؟
– آه هذا هو العذاب الغامض المليء باحتمالات لا حصر لها.

-4-

أحيانًا نجري وراء غاية معينة ثم نعثر في الطريق على شيء ما نلبث أن نؤمن بأنه الغاية الحقيقية!

-5-

– أنا أعني شيئًا واحدًا بكل إصرار وهو أنني غير أهلٍ لكِ.
– أرفض هذا السخف: أنت تعلم أنني أحبك.
– وهذه هي جريمتي، نحن للأسف لا نفر أمام الحب إلا في الحب فقط.
– ولماذا هي جريمة؟
– لأنه كان يجب أن أقدم لكِ نفسي على حقيقتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد