يشهد العالم اتساعًا كبيرًا في الهوة بين الأغنياء والفقراء، وضعف التمويل لبرامج الأغذية مما سبب عجزًا كبيرًا لدى المنظمات الدولية وانعكس على وجود نحو مليار شخص غير قادرين على إيجاد لقمة العيش، وتعد شعوب القارة الأفريقية أكثر الشعوب التي تعاني من نقص الغذاء إضافة إلى العديد من المشكلات التي تعاني منها القارة السمراء.

وفي كلمته الرئيسية في حوار «بورلوغ» الدولي حول الزراعة والأمن الغذائي في العالم، الجمعة، لمس ملك الأردن عبدالله الثاني، عدة نقاط مهمة ساهمت في تغذية النزاعات الإقليمية وزادت حدة التوتر بين الأطراف الدولية، وقد تطرق الملك في كلمته إلى ثلاثة محاور تشكل عصب المشكلات التي تواجهها المجتمعات وهي: الأمن الغذائي، النظام العالمي، العولمة.

أما العولمة فقد أكد الملك عبدالله الثاني خلال كلمته على أن «إعادة ضبط العولمة ستساعد على توجيه الموارد العالمية لدعم قطاعات محورية كالبنية التحتية الزراعية»، وهي دعوة إلى إعادة تقييم الانفتاح الذي سببته العولمة بمصادرها المختلفة وبأدواتها الكثيرة التي أزالت الحواجز وخلقت نوعًا جديدًا من المجتمعات، تتميز بأنها هجينة يريد بعضها أن يقلد الآخر.

وقد تتجاوز التقليد حد سلب ما عند الآخرين وإنكار حقهم فيها بعيدًا عن لغة الحوار السليمة التي تفرض على الشخص أن يحترم الآخر وثقافته الأصيلة، وبالتالي فإن إعادة ضبط العولمة تتم من خلال دراسة الأثر السلبي لها دون النظر فقط إلى ما أحدثته من تسهيل التواصل بين الآخرين وكسر الحواجز وتصويرها باعتبارها إيجابية مطلقة، في حين أن الواقع عكس ذلك تمامًا.

أما النظام العالمي فقد أشار الملك صراحة إلى القصور في النظام القائم حاليًا بالقول إنه «ينبغي علينا اغتنام الفرصة، لبناء نظام عالمي أفضل وأكثر فاعلية وشمولاً»، وتتجلى هذه الرؤيا بالنظر لأمرين هما: تركيز الثروات في أيدي قلة قليلة بعيدًا عن العدالة في توزيعها بين أبناء الشعب الواحد، وهو ما أوجد فراغًا كبيرًا تمثل بأن يملك 5% أكثر مما يملكه الـ 95% الآخرون، أما الأمر الآخر، فقد أدى النظام العالمي إلى إهمال قطاعات مهمة وتهميشها.

ويمثل القطاع الزراعي أحد أكبر القطاعات المتضررة، وهو الذي يمثل دعامة الغذاء العالمي وركيزته الأساسية له، وذلك من خلال الاستغناء عن الرقعة الزراعية واستبدالها بإنشاء المجمعات الصناعية التي تخدم رأس المال، وهذا لا يعني بالضرورة التخلي عن المصانع والتكنولوجيا وإنما تهذيبها، وردم ما خلفه النظام العالمي القائم على مبادئ الرأسمالية التنافسية غير المبالية بالأشخاص الأقل قدرة بدنية وأقل ذكاءً من الناخية المعرفية.

كذلك فإن الملك لم يخف مخاوفه من إهمال البحث العلمي الموجّه نحو إفادة البشرية وتسخير الأفكار الخلاقة في خدمة الابتكار واستثمارها في مجالات الإنتاج والتزويد والتخزين وتبادل الخبرات، وهو ما سيضمن به العالم وحكوماته إعطاء أكبر فرصة للأجيال القادمة ويغرس بذورًا جديدة ليتسنى للأجيال المقبلة أن تحيا وتزدهر، وفق رؤية الملك.

وعلى صعيد الأمن الغذائي والتحديات الصعبة التي يتوقع أن يواجهها العالم في ظل أزمة كورونا وما بعدها، فقد جاء خطاب الملك ليؤكد على أن «مفهوم الأمن الغذائي والحياة الكريمة التي يمكن أن يوفرها، راسخ في تاريخنا في منطقة الشرق الأوسط»، ولينعش به الذاكرة بأن النزاعات والفرقة هي أكبر عدو للبشرية.

وهي ما أدى اليوم وسيؤدي غدًا إلى وجود أكبر نسبة من الجوعى الذين يعانون من التهميش الغذائي في المنطقة، وأن ذلك ليس باعتباره جزءًا من المنطقة ثابتًا وإنما هو متغير يعتمد على المعطيات التي تمر بها المنطقة، فمتى وجد الاستقرار وحل السلام أصبح المنطقة مكانًا لجمع الثقافات ومركزًا كبيرًا لاستقرار العالم وأمنه على الأصعدة كافة وعلى رأسه الأمن الغذائي.

لعلّ الناظر إلى خطاب الملك سيرى أنه كعادته لم يفوت الفرصة في التكلم باللسان الذي يفهمه المواطن الغربي، وبضمير الإنسان العربي، ساعيًا لإيجاد أرضية مشتركة؛ فالإنسان في الغرب متوجس لكل ما يجري في منطقة الشرق الأوسط والتي أصبحت للأسف ينظر إليها كبؤرة نزاع وتخلف وجوع دون مراعاة لتاريخها.

كذلك فقد اهتزت صورة الإنسان الشرقي وتحديدًا العربي في مخيلة أبناء الحضارة الغربية وأدبياتهم، وهو ما يدفع بالضرورة إلى إقامة حوار بناء، يعمل على خلق ملامح جديدة ويوجد مشاعر غير تلك السائدة، التي خلقتها العولمة وأنشأها النظام العالمي الرأسمالي الحالي، مما جعل المادة تسمو على الإنسان، والمصلحة تعلو على القيم، وهو ما أوجد سمة الاحتكار فنشأت السيطرة ومنها جاء انعدام الأمن بكافة أشكاله وأخطرها الأمن الغذائي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد