تعودت كلما أنجزت تطورًا ما في حياتي مكافأة نفسي بشراء كتاب جديد يستهويني، وكثيرًا ما كان يصح اختياري لعنوان ما أو لكاتب أثق به أو أعتمد على ترشيحات الأصدقاء المشتركين معي في نفس الذائقة، وفي مرات نادرة كنت أندم على الوقت المهدر في قراءة بعض الاختيارات غير الموفقة، صحيح أن عملية الاختيار لم تكن بالسهولة المرجوة فكم من مرة وجدت ألفاظًا غير مناسبة أثناء تصفحي السريع للكتب قبل الشراء، أو خُدعت بنبذة مضللة على الغلاف الخلفي، أو لُغّم الفهرس بعناوين صادمة ولكني في نهاية المطاف كنت أصل إلى ضالتي.

وزادت أسعار الكتب لدرجة تجعلها مستعصية على الاقتناء، وكانت النسخ الإلكترونية هي البديل المتوفر – رغم عيوبه- كحل لمشكلة انتهازية دور النشر، وأصبح كم الكتب المتاح للقراءة مضاعفًا.

ولما كانت مواقع التواصل الاجتماعي تساهم في انتشار الكتب أكثر وأكثر عن طريق تصوير صفحات بعينها أو إبراز جمل مضيئة وإخفاء ما عداها أو في أحسن الأحوال تداول قراءات نقدية لكتاب ما أو إعلان عن حفل توقيع طبعة جديدة لرواية، كان المتوقع زيادة الحس الثقافي والذوق الأدبي عند عموم القراء، فضلًا عن الكتّاب بداهة!

ولكن ما حدث كان أبعد من المنطق والبداهة، فما إن تصل إليك نسختك التي طال البحث عنها بعد كل “الضجة” التي أثيرت حولها حتى تباغتك صدمة لا تستوعب مداها!

صفحات بيضاء – بالمعنى الحرفي للكلمة-، اقتباسات لأدباء مشهورين وبعض من جمل غير مترابطة ظن كاتبها أن هذا ما يسمى بالعمق والغموض، تكابد مشقة تصفح هذا الهراء إلى نهايته حتى تصل إلى الغلاف مكللًا بخيبة غير متوقعة.

وتلك كاتبة صدق من قال عنها:  إنها وراء كل مطلقة في أوطاننا، تزعم دفاعها عن نون النسوة رغم أنها أول من يُسيئ إليها، وأخرى تصب جام غضبها وحنقها على الرجل في كلمات خانقة تصبح عبئًا على روحك بعد جرعة القراءة السامة.

وتحولت أسمى قضايانا المناقَشة في الكتب لرجل لا يأبه لمحادثات الأنثى العاشقة، ولصفات تمايز الجنسيات عن بعضها – كذبًا وزورًا- وقضايا استهلكت منذ بدء الخليقة تعاد صياغتها مع إدخال مصطلحات العصر لها دون تناول يهدف إلى علاج أو مناقشة حقيقية.

وإذا ما وددت أن تقرأ للكتّاب ذوي القامات الأدبية المؤثرة فغالبًا ستلهج بالاستغفار كثيرًا أثناء القراءة.

بالطبع كل ما ذُكر كان على ما يمكن أن يُطلق عليه كتاب أو مؤلَف أو رواية، أما تلك الوريقات الصفراء التي انتشرت في المكتبات وذاك الهزل العاميّ سيئ اللون والطعم والرائحة، فلا يسعنا الحديث عنه وإن تجمع الآلاف في معارض الكتاب لشرائه أو لالتقاط “السلفي” مع مؤلفه!

وفي هذا الزبد كله لا بد أن تسأل: أين الأدب الإسلامي؟

أين نتاج الإسلاميين الذين نشأوا على كتب القامات السامقة من القطبين والغزالي وعلي الطنطاوي وعمالقة أهل السنة القدامى منهم والمعاصرين؟ أين الناشئة الذين تربوا على روايات نجيب الكيلاني؟

أين الأقلام النسوية من زينب الغزالي وأمينة وحميدة قطب والأديبات المسلمات؟ (مع حفظ الألقاب وكامل التبجيل لهم والترحم عليهم)

لا شك أن في الساحة الأدبية الآن أقلام إسلامية لا تُنكر (شعرًا ونثرًا) ولكنها وحدها لا تكفي أمام هذا المد الطاغي من الإسفاف وخدش الحياء والنزول بالذوق إلى أسفل سافلين.

وأصبحت صحوة الأدب الإسلامي مهمة منوطة بنا جميعًا، فللكتاب غزارة التأليف وتناول القضايا التي تشغلنا حقيقة لا وهمًا في قوالب أخلاقية رفيعة، وللقراء النقد والتشجيع والبذل والتقويم، والمقارنة بالأدباء الراحلين تكون للتقدم والكمال لا للتوقف والاستصغار، حتى لا يأتي يوم لا نجد ما نقرأه ونقتات على نتاج السابقين حتى نمل وتمل منا القراءة.

ولا ضير من البدايات المتعثرة أو حتى الساذجة ما دامت أقدامنا على سلم الصعود، فكل أديب حقيقي صعد ذات الدرجات وساعده في تخطيها بسرعة نهمه في الاستفادة والاستزادة ممن حوله.. فلنبدأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد