اللبنة الأولى في اكتمال المعارف والتصورات البشرية، وسر التناغم والتكامل بين كل المعارف المكتسبة هي بالاطلاع، ألا ترى أنه أول ما بدئ بالوحي على النبي الأمي – صلوات ربي وسلامه عليه – كانت بـ«اقرأ».

فكانت بعدها الثورة العلمية والمفاهيمية، حول تصورات الخالق والخلق والفناء والبعث، على ثقافة المجتمع الجاهلي البدوي الذي كان مجمل ثقافته السائدة من الشعر والأدب، اللذين كان يتميز بهما، فحدثت  الطفرة بظهور علم الحديث والتفسير وبدء حركة التدوين وظهور أصول العلوم الحديثية والفقهية التي تنبني على الكتاب الأصل الذي ابتدأ بــ«اقرأ». فكلما تقرأ تتفتح المدارك، وتتسع آفاق الرؤيا، ألا ترى أن كرم الله تعالى بفيوض علمه مقرونة بالقراءة، «اقرأ وربك الأكرم».

حتى إن كل الحضارات التي ازدهرت كانت بسبب التقدم العلمي في ذلك الوقت الذي هو منتج للقراءة، فعلى سبيل المثال لا الحصر:

النقوش على المعابد الفرعونية في أهرامات الجيزة خير شاهد على ذلك، فهي تدل على تقدم علمي مذهل ذلك الوقت، يظهر ذلك في التصميم الدقيق لزوايا الهرم مع الاتجاه المغناطيسي للأرض (وليس الجغرافي)، والتصميم الهندسي البديع حيث إن ارتفاع الهرم الأكبر (هرم خوفو) يصل إلى 150 متر في مساحة تصل 80 ألف متر مربع، ووزن الكتلة الحجرية تصل إلى 2 طن، فضلًا عن إحكام نظام التهوية بناء على تعاقب الليل والنهار، والتأمين الداخلي بانبعاث الغازات السامة كغاز الميثان (CH4) وغيره، والآثار والحفريات التي تثبت براعة الفراعنة في علم الفلك. كل هذا لم يكن ليوجد لو لم يملكوا معرفة بأصول الهندسة والزوايا والفلك وخارطة الكواكب ما كانت لتصل الحضارة الفرعونية كل ذلك الأوج.

كذلك أحد أسباب ازدهار الحضارة العباسية هي حركة الترجمة من علوم اليونان التي كان يشجعها ويدعمها الخليفة العباسي جعفر المنصور الذي كان أول الخلفاء العباسيين اهتمامًا بالعلم والعلماء، وقام باستجلاب الأطباء (النساطرة) إلى عاصمة الخلافة العباسية في بغداد وترجم بسببهم الكثير من الكتب في الطب والهندسة والفلك وغيرها، وكان هارون الرشيد هو الذي أنشأ دارًا سماها «بيت الحكمة» وعهد إليها لابن المأمون، وفرغوا لها أناس يقوموا بترجمة تلك الكتب، التي استعاروها من اليونان، وسمُّو وقتها «النساخ»، وكان يغدق عليهم من العطايا، ويجري الحوافز لكل من يترجم عددًا من الكتب بحمارًا محملًا بالذهب حسبما ذكرت الكتب.

فكلما قرأت كلما اتسعت رؤيتك وتفتحت بصيرتك وازداتك مهاراتك في الربط بين الظواهر والأحداث.. وكنت أقرب لروح الواقع الحقيقي بسبب الخلفية العلمية واستصحاب التجارب التاريخية والعبر والدروس من تلك التجارب، أكثر ممن ينظر للأحداث بحصيلة معرفية زهيدة وخبرة تراكمية ضعيفة، ونأخذ مثالًا:

لك أن تتصور شخص يريد أن يعالج ظاهرة اجتماعية معينة تمس مجتمعه، فهو ببراعته في تخصصه قد ينجح في وصف الظاهرة وأسبابها، ومن ثم علاجها من منظور تخصصه الدقيق، لكنه لن يبدع في اكتشاف أصل المشكلة كون الحياة لا يحكمها قانون ثابت، فهي على درجة عالية من التعقيد والتشابك، وبالمقابل باحث آخر عنده ثقافات متعددة، واطلاع كبير على معظم أصول العلوم الاجتماعية والإنسانية والطبيعية فقطعًا نظرته للظواهر والمشكلات الحادثة ستأخذ أبعاد وسيكون لديه عميق في النظر وفي التفكير وفي الاستنباط، وبالتالي سيأتي على أصل المشكلة من جذورها؛ وهكذا.

لكن القراءة إن لم تبنَ على أساس معرفي متين، وأصول مرجعية محكمة، فأنت في الحقيقة لا تقرأ، فالمشكلة في كيفية تطبيق أفكار ما تقرأ في واقع حياتك المعرفية، والعملية، والمهنية، والأكاديمية.

إن توفر ذلك الأساس المعرفي يؤهلك من امتلاك الأداة الناقدة للولوج في كافة المعارف المكتسبة والتصورات البشرية في كل مناحي العلوم الفلسفية والاجتماعية والإنسانية والتجريبية التي هي بمثابة الامتداد الأفقي للثقافة. في ظل عصر المعلومات وانفتاح آفاق المعرفة بكل اتجاهاتها وأيدلوجياتها وفلسفاتها ومدارسها؛ فإن لم تملك تلك الأداة الناقدة والأساس المعرفي التي هي بمثابة الأساس العمودي أو الأداة الحاكمة، فحتمًا بعد حين ستدخل نفقًا مظلمًا لا شعاع فيه.

إن معيار الثقافة الحقيقي هو الذي يقوم على ثنائية المعرفة والتخصصية، وفق قاعدة (50/ 50) كما يسميها الدكتور طارق السويدان في معيار الثقافة.

المعرفة والتي هي محاولة تعلم كل شيء عن شيء في مجال التخصص العام والدقيق سواء مجال أكاديمي أو مهني أو مهاري، وهي أدق في جوهرها من العلم، بالتبحر في مجال التخصص الرئيس وسبر أغواره ومعرفة أدق تفاصيله ومحاولة الإحاطة بكل تفرعاته وتطبيقاته.

ثم الـ50% الأخرى بمعرفة شيء عن كل شيء من كل المعارف، في الاقتصاد، والسياسة، والاجتماع، والصحة، والرياضة، والفن، والشرع، والتاريخ إلى غير ذلك.

لكن تبقى حلقة الوصل، وهي الإبداع في طريقة التفكير، والنظرة الحصيفة، والقراءة العميقة للمحيط هي بالربط بين كل تلك المعارف المكتسبة ومحاولة إحداث التكامل بين العلوم المختلفة، لتتيح رؤيا ثلاثية الأبعاد لكل ما يحدث أو يستجد من نوازل، حار فيها محدودو الأفق المعرفي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد