( 1 )

البدايةُ والأصلُ نُقطة.

المحيط تكوَّن من نقطة مَطر، وخُلق الإنسان من مجموعة نِقاطٍ (نُطفةً وبويضة)، ونبت الزرعُ من نقطة ماء، وانفلق الحجر لموسي بضربة عصا في نقطة معينة، وبدايةُ الكتابة نقطة، والكون وجِد في نُقطة وسينتهي إلي نقطة، والضميرُ؛ نقطة مُضيئة داخل أنفسنا يقابله الكُره كنقطةٍ مُظلمة، والروحُ نقطةً على طريق الحقَّ بها نصلُ إليه وبها ننتكسُ، وأولُّ الحُبَّ نقطة تلاقي، والهجرُ نقطة اختلاف، والنقطة وإن كانت أضعفُ الأشياء إلا أنَّها تملكُ فعل الانفجار، فإذا توالت سقوطها على حجرٍ جعلته مُشتتًا وإذا جُمعت في إناء ملأته، وبداية القراءة كلمة تتكون في منظومة لتخط كتابًا يعصف بعقولنا الأوهام ولا يبقي فيها إلا أسس التفكير وكيفيات النقد!

 

( 2 )

القراءةُ ذلك الوهج الذي ينبعثُ من ورقاتٍ خُطت عليها مجموعة حروف قادرةً على إهداء اليقين لأرواح ظمأ أو تقوَّيض عروش الطغاة، أو إنارة الطريق للحيارى وإهدائهم النور الذي يستخدمونه في مسيرتهم نحو اجتلاء الحق والحقيقة، كما أنَّ القراءة ساحرة آسرة للروح لا يقدرُ أحد أن يتحدث عنها إلا بقدسيةٍ وشموخٍ وافتخار كربات الفنون أو آلهة الأوليمب، والقارئُ دومًا في حالة اهتياج للكتب لا يستكين له بال ولا يُغمض له جَفنٌ إلي أن يحصلُ على ما يريد من كتبٍ فينام قرير العين كأمٍ شرد وليدها وعاد بعد فقدان الأمل في مَجيئه.

 

( 3 )

كنت حتى لوقتٍ قريب أجد أن سؤال ماذا تقرأ حاليًا سهل الإجابة عليه، وذلك لأنني كُنت محدَّدًا في قراءاتي على موضوعاتٍ بسَيطة وعلى بعض الكُتَّاب الذين لا أخرجُ من عباءتهم إلا شذرًا، لأجدني  بمرور الوقتِ أشدُ حرجًا عند إجابتي على ذلك السؤال؛ لأن الله قدَّ منَّ عليَّ فيما مَنَّ بحُبَّ القراءة ومطالعة الُكتب واقتنائها والتواجدُ في رحابها دومًا وهو فضلٌ لا أدَّعيه وشرفٌ لا أنُكره، ذلك أنَّ القراءة قد جعلت لي المُبرر الذي أحيا من أجله وأسعى للحياة فيه، كما أنني صرتُ آخرًا غيري لم أكن أتخيله بفضل الكتب والقراءة، وإذا كان العمرُ يُحسب بسنوات القراءة فأنا إذن طفل لم يتعد عمره (أربعة أعوام) ولم يبلغ الحُلم بعد، كما أنني لازلتُ ألهو على شاطئ القراءة بالرمال، ولم تُصبني ماءُ المعرفة بنورها ونارها لكنني أحاول الغرق فيه لأنَّ الخلاص هُناك إذا ما كُتِب الخلاص!

 

( 4 )

أحد أهم ركائز القراءة التي تسعى لتأصيلها داخلنا هو ألا نترك أنفسنا لآخرين يقررون لنا ما يُريدون دون كلمةٍ منَّا أو محاولةٍ للرفض لذلك فإن القراءة – في أدني مستوياتها – تسعى لتكوين شخصيةً ناقدة أكثر منها مُتلقيةً، لا توافق إلا ما يتراءى لها على أنه أكثرُ عقلانية واطمئنانًا على المستوى النفسي كحدٍّ بسيط؛ الأمرُ الذي يجعل القارئ دومًا في حالة ثورة لا يوافق لأي شيء ولا يُداهن لأي رأي فهو صريحٌ بما يكفي لاتهامه بالكُفر وجريء بما يكفي لإيداعه السجن.

 

( 5 )

والأهم من القراءة واقتناء الكتب هو محاولة تكوين طابع خاص بك كقارئ، لا تقرأ إلا ما تجد له هوىً في نفسك ولا تُرغم نفسك على قراءة كتابٍ أو الخوض في مجالٍ لم تكن مستعدًا له حاليًا وانتظر إلى أن تمتلك البدايات البسيطة للقراءة فيه ولا تبدأ القراءة بالكتب المتقدمة في ذلك المجال، ولكن عليك بكتب المداخل وما أكثرها، ذلك أنها تعطي نبذه بسيطة عن المجال الذي تودُ القراءة فيه كما أنها تُرشح لك كتبًا أخرى وتشَرح الغوامض والمشكلات بطريقةٍ مُيسرةً حتى إنك ستُحب ذلك المجال وإن كان أصعب المجالات وأكثرها وعورةً.

 

( 6 )

وكنَّ متواجدًا بجوار أولئك القُراء الذين ينتمون إلى طائفة (الحيتان) وهم كثرٌ ووصفهم أعزك الله في الدارين هم أناسٌ لم تترك شاردةً ولا واردةً إلا وأحاطت بها خُبرًا، ولديهم ذائقةٌ للكتب بمختلف أنواعها وموادها ويمدون يد العون لأولئك القادمين على الطريق الذين لا يعرفون البداية كما أنهم حياري وتائهين ويريدون القراءة ولا يعرفون، فيقوم أولئك  القُراء (الحيتان) بإلقاء أطواق النجاة وإعطائهم النصائح والدليل حتى إذا ما استكانوا على الطريق تركوهم ليقوموا بإنقاذ غيرهم، وأحمدُ الله إني أعرف كثيرًا من أولئك (الحيتان).

 

( 7 )

ولا تعتمد فقط في القراءة على ترشيحات الكتب التي يقوم بها الأصدقاء ذلك أن الكُتب والكُتَّاب الذين نكتشفهم بأنفسنا هم أجمل وأروع، كما أَّنَّ ذكرى قراءاتك لهم واقتناءك أعمالهم لا تُنسى حتى وإن طال الزمان وأصابنا المشيب والعجز، أما بعد إذا لم تبدأ في القراءة الآن فأنت ميتٌ بالتأكيد وليس حياتك إلا بالتنفس وفقط، ولا تخش مما فاتك فكل وقتٍ هو بدايةً جديدة كما أن القراءة والكتب بانتظارك فلا تقلق، فقط خض المغامرة وأبدأ وأُقسمُ لك لن تتراجع عما بدأته، والأهم مما سبق على الإطلاق وهي قاعدة ضعها أمام عينيك ألا وهي (لا تقرأ ليقال عنك قارئًا ولا تفعل أي شيء ليقال عنك من الناس تلك أهم قاعدة إذا ما أردت القراءة والحياة بنفسٍ مُطمئنة، فقط افعل ما تمليه عليك روحك وما تقتنعُ به ذاتك).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد