– لماذا لا تقرأ؟
– القراءة مش من هواياتي.
– القراءة ليست هواية، القراءة احتياج.
– ايه الفرق؟

– بعض الناس يحب عصير التفاح، وآخرون لا يحبونه. لكن هذا الكلام لا ينطبق على الماء؛ فهي ليست شيئًا يحبه البعض وينفر منه آخرون، هي احتياج يلجأ إليه الجميع. لماذا قلنا على الماء أنه احتياج؟ لأن الجسد يموت بدونه. كذلك القراءة.
– وهو أنا هموت من غير قراءة؟!

– الإنسان عبارة عن جسد وروح، وللجسد احتياجات: طعام وشراب ونوم… إلخ. بدون أي منهم يموت الجسد. كذلك الروح لها احتياجات، بدونها تموت. فيمكن أن يحيى الجسد وتموت الروح. أعرف أنك لست متخيلاً معنى (موت الروح)، استمع لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، هل الكافر ميت جسديًّا؟ مؤكد لا، ومع ذلك الآية تقر بموتهم، أي موت أرواحهم.

إذن فالروح لها احتياجات يجب أن تُشبع حتى لا تموت. هذه الاحتياجات هي الإرادة والعلم. والعلاقة بينهما كالعلاقة بين السائق (الإرادة) والمرشد (العلم)؛ بدون المرشد يتوه السائق ويتخبط.

– مش شايف إنك مكبر من دور العلم، الواحد يعمل الصح وخلاص، كده هيرضي دينه وضميره والناس وخلاص، والروح هتبقى شبعانة وزي الفل.

– لا يمكن الوصول لأي من احتياجات الروح بدون العلم، من احتياجات الروح مثلاً: الدين والأخلاق واحترام الناس.

بخصوص الدين، كيف تختار دينًا توقن بصحته دون علم؟ لماذا أنت مسلم؟ إن لم تجب على هذا السؤال عن علم فيعني ذلك أنك مسلم لأنك وُلدت في عائلة مسلمة! هل ما تفعله حلال أم حرام؟ هل تثق أن صلاتك/ذكاتك/صيامك صحيح؟

يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) وفي الآية تهكم من العابدين الذاكرين عن جهل وعمى، وعن هؤلاء يقول الإمام الغزالي: “إني لا أحب إيمان الأغبياء؛ لأنه غباء تحول إلى إيمان”، ويقول: “الغباء في ديننا معصية”، وبالتأكيد لا يقصد بالغباء المعاق ذهنيًّا، بل الناتج عن جهل. ويقول أبو الدرداء: “لا يكون أحدكم تقيًا، ما لم يكن عالمًا”.

ويمكنك معرفة الفرق بين طاعة عالم وطاعة جاهل بشكل أوضح في مناسك الحج؛ معظم الحجاج لا يعرفون طقوس الحج ولا يعرفون دلالاتها، لذلك فهم يسيرون خلف مرشد ويفعلون ما يقال لهم فحسب! أما هؤلاء الذين يعلمون، يعرفون فيؤدون فيتذوقون فيرتقون، ويشير القرآن للعلاقة بين المعرفة والتذوق هذه في قوله تعالي: (تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ).

وبخصوص الأخلاق، إن كنت ترى أن اتباعك لقاعدة: (افعل الخير وتجنب الشر) سيعصمك من سوء الخلق، فهي السذاجة تتراقص في عينيك. أقسم الشيطان: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، وبذلك أعلن الشيطان من البداية عن طريقته في الغواية، وهي التزيين؛ أي أن الباطل لن يظهر معلنًا عن نفسه، بل يتخفى ويتجمل ليظهر في صورة أيدولوجية/ منطق/ وجهة نظر/ مصلحة عامة… إلخ؛ فلكل قاتل أسبابه، ولكل محتل قناعاته، ولكل إرهابي إيمانه، ولكل ديكتاتور مبرراته.

ماذا تفعل إذا تصادم المبدأ والمصلحة العامة؟ ماذا تفعل إذا حدث صدام بين مبدأين؟ ما الأولويات إذا تعارض أمر ديني مع احتياج جسدي مع قانون مع عُرف؟ متى يكون الحزم ومتى تكون المرونة؟ فلا تكفي الإرادة وحدها، بل نحتاج لعلم دقيق لنتبين حسن الخلق من سوئه.

وعن احترام الناس، يُروى أن الإمام الشافعي كان جالسًا وممددًا رجليه، فدخل رجل حسن المظهر ويبدو عليه الغنى، فاعتدل الشافعي في جلسته، فسأل الرجل بحزم: متى يفطر الصائم؟ فأجاب الإمام بحذر: عند غروب الشمس. فسأل الرجل بتركيز: ماذا لو لم تغرب الشمس هذا اليوم؟! عندئذ قال الشافعي مقولته الشهيرة: آن للشافعي أن يمد رجليه.

وبذلك يرفعنا العلم من الاحتقار إلى الاحترام.

تذكَّر موقفًا سقط شخص مغشيًا عليه، عندئذ الطبيب الحاضر هو أهم شخصية في الحاضرين. كادت طفلة تأكل مادة ما، عندئذ تدخل رجل (خريج علوم كيمياء) وأزاح عنها المادة قائلاً: إنها مادة سامة. هل رجل يحمل معلومة بهذه الأهمية يمكن أن يُهمَّش؟! إذن فالتهميش والعلم لا يجتمعان.

وبذلك يرفعنا العلم من الاحترام إلى الاهتمام.

تقول القاعدة: النفس البشرية أسيرة المعروف. ويقول أنيس منصور: “الإنسان يظل على علاقة بإنسان آخر ما دامت هذه العلاقة تعطيه (شيئًا)، وتظل هذه العلاقة قوية ما دام هذا (الشيء) نادرًا”. الناس تقدِّر من يملك المعلومة، لأنها تقدِّر من يفيدها.
وبذلك يرفعنا العلم من الاهتمام إلى المحبة.

– وهو أنا قلت حاجة عن العلم، أنا فاهم إن العلم مهم طبعًا، بس أنا علمي بآخده من برامج دينية، من خطب الجمعة، مش فاضي أنا أقرأ كتاب يجي 300 صفحة.

– بنظرة عامة: الفرق بين الكتب والبرامج أشبه بالفرق بين مشاهدة مباراة، ومشاهدة الأهداف فقط.

وبنظرة أعمق: الخطيب أو مقدم البرنامج عندما يقرأ كتابًا، يستخرج أفضل ما فيه من وجهة نظره. في حين لو قرأت أنت الكتاب – لأن اهتماماتك مختلفة بالتأكيد– ستستخرج أجزاءً مختلفة تمامًا.

وبنظرة أكثر عمقًا: مقدم البرنامج قرأ، ثم أخذ ما يقنعه وقاله، وترك ما لم يقنعه. وبذلك مهما كانت أفكارك ستظل تابعة لهؤلاء، أما إذا قرأت بنفسك، عندئذ تستطيع أن تتبع ما يقنعك سواء كان رائجًا أو لا. باختصار القراءة تعني العمق.
– رغم إني مش مقتنع، بس لو افترضنا إن الشيطان غواني مرة إني افتح كتاب، تفتكر أقرأ ايه؟

زي ما قلنا العلم مرشد للإرادة (السائق)، إذن فدور العلم أن يبين الطريق للغاية التي تريدها. فقل لي ما غايتك، أقل لك عن العلم المطلوب، ما غايتك؟
– اممممممممممم، مين مات؟!

– غايات الإنسان في الكون ثلاث: عبادة الله، وتزكية النفس، وعمارة الكون.

كي تصل لغاية عمارة الكون: تحتاج زيادة القراءة في تخصصك العلمي، ثم التاريخ، والسياسة، وباقي العلوم الدنيوية لحسن الدراية بما حولك.

وللوصول لغاية عبادة الله: تحتاج القراءة في الفقه بالقدر الذي يجعلك تعرف ما تفعله حلال أم حرام، وحتى لا تكون لعبة في يد أحد يحرِّم حلالاً أو يحل حرامًا، وتعرف كيف تؤدي عباداتك صحيحة. ثم القراءة في التفسير، والحديث، والفقه، والسيرة.
وتزكية النفس تحتاج القراءة في علم الصوفية لترتقي وتتزكى. ثم التنمية البشرية لتنظيم اهتمامتك وعلاقاتك وأهدافك وسلوكياتك.

– طب أنا أسمع إن المثقفين فيهم ناس لاسعة كتير، ملحدين بقى على شيعة على إرهابيين، وأنا مش ناقص، ايه اللي مقرأوش؟

 

– يعتبر هذا سؤال وجيهًا إن صدر من قاصر؛ باعتباره غير قادر على التمييز، فيحتاج لمساعدة الناس حتى لا يضر نفسه. أما البالغ العاقل لا يقبل أن يقرأ غيره، ثم يفكر، ويتخذ قرارًا، ثم يردد هو آراء غيره! إذن اقرأ لكل الناس، اطلع على كل الأفكار، وتبنى ما تقتنع أنت به.

– ما أنا ممكن أقرأ حاجة وتطلع غلط، أمسح اللي قريته إزاي؟!

– أولاً إن قيل على كتاب أنه خطأ وضار، من قال إنه خطأ؟ بعض ممن قرؤوه فقط. إذن فنحن أمام رأيين: رأي المؤلف وبعض مؤيديه – وإن قلوا– ورأي المعارضين، فاقرأ أنت لتعرف مع من ستنضم عن اقتناع. أليس من الممكن أن تقرأ وتجده صوابًا؟
ولو افترضنا أنه خطأ، لا تصدق أن في الدنيا خطأ أو صواب مطلق؛ فالجميع يمتلك قدرًا ما من الصواب والخطأ، فيمكنك أن تتعلم أهم دروس حياتك من أغبى الناس.

 

وإذا افترضنا مجازًا أن كتابًا ما خطأ، وخطأ محض، فالإطلاع عليه ليس مضيعة للوقت. يقول الله تعالى: (وَكَذَلكَ نُفَصلُ الْآيَات وَلتَسْتَبينَ سَبيلُ الْمُجْرمينَ) في الآية معنى عجيب؛ الطبيعي أن يشير القرآن إلى سبيل الصالحين حتى نتبعه، إلا أن الله تعالى جعل من مقاصد القرآن أن يبين طريق المجرمين، ويمتلئ القرآن بأفكار الكفار وأقاويل المنافقين. وبذلك نمتلك تراثًا من الأخطاء حتى لا نتبعها، حتى نزداد يقينًا في سبيل الصالحين، حتى نعرف قيمة سبيل الصالحين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد