«قل لي ماذا تقرأ، أقل لك من أنت». هذه مقولة صحيحة إلى حد بعيد، فنوعية قراءاتك تسهم بعمق في تشكيل شخصيتك وأفكارك واتجاهاتك في الحياة، فلو واظبت مثلًا على قراءة الروايات البوليسية، لاختلفت شخصيتك جذريًا عما إذا كنت من المداومين على قراءة الروايات الرومنسية، في بعض البلدان، يختار الطالب في بداية المرحلة الثانوية الفرع الدراسي الذي يود التخصص فيه: العلمي أو الأدبي، تبعًا لدرجاته في الصفوف السابقة، التي ترتبط إلى حد جوهري باهتماماته وبما يحبه، فمن يختار الفرع الأدبي، فإنه، وبسبب المواد التي يركز على مطالعتها في ذلك الفرع، كثيرًا ما يطور شخصية كارهة للعلوم والرياضيات، وربما عاجزة عن فهمها، مع ما يرتبط بذلك من اختلاف جلي في طريقة التفكير والتحليل.

إن الدماغ كالمعدة، إذا ملأتها بأغذية عسيرة الهضم تبعث على الاضطراب، فإنها سرعان ما تكاد تنفجر، متسببة لك بإسهال شديد اللهجة، وكذلك الدماغ، فإذا ما أتخمته بأفكار منحرفة شريرة، فإن الوساوس الشيطانية سرعان ما ستستحوذ عليك وتعصف بأمن نفسك واستقرارها، لقد جاء في القرآن الكريم قول الله تعالى: «ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانـًا فهو له قرين»، وكتّاب الروايات عمومًا، إلا من رحم ربي، هم، كما تكشف كتاباتهم، من المعادين للدين، أو على الأقل من الذين لا يأخذون الدين على محمل الجد أو يقيمون له وزنـًا في توجيه حياتهم؛ لذلك فإن الشياطين تصاحبهم طوال الوقت، ولا يستبعد أن تكون الشياطين هي المبدعة الحقيقية لكثير من الأفكار الشاذة والمنحرفة التي تصدمنا في روايات هذه الأيام! وليس هذا بالمناسبة من باب الوهم أو المبالغة، فالله يقول في كتابه العزيز: «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا»، فشياطين الجن قد توحي لشياطين الإنس بما يكتبون، حتى ليحار المرء من أين جاء الكتاب ببعض الأفكار الشريرة التي تحتاج إلى أبالسة حقيقيين لإبداعها!

بعضهم احتجوا على مقالتي الأولى حول الموضوع نفسه، التي كان عنوانها «كيف تفسد قراءة الروايات حياتك»، متذرعين بأن ديننا الإسلامي هو دين «اقرأ»، وفي ذلك كلام حق يراد به باطل، نتيجة الفهم الخاطئ؛ فالإسلام أمر بالفعل بالقراءة وحث عليها، ولكنها قراءة ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، فعلى المسلم أن ينتهي أولًا من قراءة القرآن الكريم، قراءة عميقة متأنية متدبرة، ثم قراءة الأحاديث النبوية الصحيحة على النحو نفسه، ثم قراءة كتب السيرة والفقه على ذات المنوال، وبعد أن يفرغ من ذلك كله، فقد يكون من حقه التمتع بترف قراءة الروايات إن شاء؛ لأنه إن لم يحصّن نفسه بمثل تلك القراءات الدينية التأسيسية الضرورية، فإن من السهل للروايات الضالة المضلة، وما أكثرها، أن تضله، وأن تتلاعب بعقله وتطوح به في عوالم الشك والقلق والاكتئاب والانحراف.

معظمنا لا يملك الجرأة الكافية لمواجهة نفسه والصدق معها، ولكن حاول أن تتوقف قليلًا وأن تسأل نفسك: لماذا أقرأ الروايات؟ وما الذي أبحث عنه بالفعل في الروايات التي أتلقفها بلهفة؟ هل أبحث عن معلومات وعن ثقافة حقـًا؟ إذا أجبت بالإيجاب فأنت تكذب حتى على نفسك، فالروايات أصلًا تقوم في معظمها على الخيال، ومن ثم فإنها ليست المصدر الأفضل لإعطاء معلومات دقيقة يمكن الوثوق بها أو الإفادة منها كثيرًا، كما أنها ليست الوسيلة الأمثل لتثقيف المرء وتوسيع مداركه وزيادة وعيه بما يحدث في العالم، إذن فعمّ تبحث؟ الجواب الصحيح والصادق في معظم الحالات هو: عن المتعة واللذة، فأنت، ولأسباب مختلفة قد تخجل وتحجم عن مشاهدة أفلام مثيرة، وقد تعجز عن الدخول في علاقات عاطفية تشبع نزواتك، لذلك فإنك تود، ربما بصورة غير واعية، تعويض ذلك بقراءة الروايات، مدعيًا بأنك تريد تثقيف نفسك! بما يذكرني بأستاذ للعلوم السياسية عرفته ذات يوم، كان يقول بأن مجلة «بلاي بوي» الفضائحية الشهيرة المخصصة للصور العارية تحتوي من وقت لآخر على مقالات سياسية «رهيبة»، كناية عن شدة الأهمية، إلى درجة أنه قرر الاشتراك في المجلة كي تصله أعدادها بانتظام! فلا تخدعن نفسك يا عزيزي، فأسباب قراءتك للروايات ليست فوق مستوى الشبهات، حتى وإن خشيت أو استحييت من الاعتراف بذلك، حتى لنفسك!

ومن هو مغرم بالروايات المؤلمة المكتظة بالمآسي والكوارث، لا يستبعد أنه يعاني من شيء من داء الماسوشية، أي الاختلال النفسي المتمثل في التلذذ بتجرع الألم؛ فالإنسان الطبيعي السوي يتجنب إيلام نفسه، وعليه أن يراجع أقرب عيادة نفسية إذا ما ضبط نفسه يقبل على بعض الروايات، وهو يعلم أنها تقطر بؤسًا وكآبة ووجعًا!

والغرق في الروايات هو في حقيقة الأمر شكل من أشكال السعي إلى الهروب من الواقع، فهو قد يعبر بصورة أو بأخرى عن فشل المرء في التعامل مع الواقع وإخفاقه في إحراز نجاحات جدية فيه، تمامًا كالذي يعجز عن إقامة علاقات بناءة في الواقع، فنراه يلجأ إلى العالم الافتراضي على الإنترنت كي يبحث عن علاقات بديلة تعويضية، ولو استثمر المرء الوقت الذي يضيعه في قراءة الروايات في فعل أشياء أكثر فائدة وعملية، كتعلم مهارة أو لغة جديدة مثلًا، فلربما ارتقى كثيرا بوضعه المادي والنفسي، ولم يعد بحاجة إلى دفن نفسه بين أوراق لا تزيده إلا كآبة وعزلة وإحباطـًا وسوداوية في معظم الحالات!

وعلى القارئ أن يدرك أن كثيرًا من الروايات هي ليست بتلك البراءة التي يظن، حتى على المستوى السياسي؛ فكثيرًا ما تكون الروايات موجهة من دوائر استخبارية وسلطوية لخدمة أهداف معينة. ولعل كثيرين لا يعلمون مثلًا أن رواية 1984 الشهيرة لجورج أورويل، قد كتبت بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية، في سياق الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي.

وفي هذا السياق، أشير إلى ما قالته لي إحدى الأخوات بعد أن قرأت إحدى الروايات المؤثرة المنتمية إلى ما يسمى بأدب السجون، فقد أفادت بأنها أصيبت بالفزع بعد قراءة تلك الرواية المثبطة، وأن الرواية قد جعلتها تفكر ألف مرة قبل أن تتجرأ على فعل ما يمكن أن يغضب السلطة، حتى لا تتعرض لمثل ما تعرضت له إحدى بطلات تلك الرواية من أصناف العذاب المرعب العصي على الاحتمال! والشاهد من ذلك، أن الروايات قد تلعب دورًا خفيًا خبيثـًا مغايرًا تمامًا للدور الإيجابي الظاهر الذي تدعي أنها جاءت من أجل لعبه!

لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله دائمًا من علم لا ينفع، فماذا كان سيقول لو وجد أمته تهدر ما لا حصر له من الوقت الثمين في مطالعة روايات بائسة تضر أكثر مما تنفع! إن أمتنا اليوم كما هو ثابت تقف في ذيل الأمم في كل شيء إيجابي، ولذلك فإنها تحتاج إلى استغلال كل دقيقة من وقتها في العمل الجاد والمثمر، لعلها تلحق الركب العالمي وتتحرر يومًا من مستنقعات التخلف والتبعية والضياع التي تتمرغ فيها، ولا أظن أن قراءة الروايات يمكن أن تشكل أولوية لأبنائها بحال من الأحوال، إلا إذا كانوا يرغبون في الغرق أعمق وأعمق في تلك المستنقعات!

وأخيرًا، أرجو ألا يُفهم أن هذه المقال هو دعوة لمقاطعة الروايات أو الأدب، إنه مجرد دعوة إلى الحرص الشديد والانتقائية في اختيار القراءات، تجنبًا لإضاعة الوقت وإقلاق طهر القلب وصفاء العقل؛ لأن أغلب الروايات، وبخاصة الحديثة، تدس السم في العسل، فقد تطرح بعض الرسائل النبيلة والفاضلة، ولكنها تقحم في الوقت نفسه كثيرًا من الأفكار المنكرة المنحرفة، تمامًا كالأفلام التي تزعم أنها تحاول توعية المجتمع ضد إدمان المخدرات، غير أنها تعمل في نهاية المطاف على إشاعة الإدمان بين الناس وتعليمهم أسراره وفنونه وخفاياه!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد