لون الغواية.. Merhamet

للكاتبة التركية: هاندي ألتايلي

لم يكونوا عائلة، بل مجرد أُناس تصادف أن تقاطعت خطوط حياتهم، وكأنهم مسافرون جمعت بينهم حانة على الطريق، وليسوا أفراد أسرة تحتضنهم جدران منزل، خمسة أشخاص جمعهم قدر محتوم، وصلة دم بائسة، داخل محرقة نالت منهم جميعًا، وكان سبب معاناتهم هو الفقر والحرمان، الحرمان من كل شيء.

تناقش الرواية العنف الأسري، والظلم الذي يقع على المرأة، ورد فعل كل شخصية على حسب ما جُبلت عليه طبيعته وارتاحت له.

المرأة الخانعة التي تواجه القسوة والإهانات برضى تام، دون شكوى أو إحساس بالظلم.

العنف ضد المرأة في كل مكان وزمان، وبكل صوره، ربما يقهر المرأة ويكسرها ويقتل روحها، وأحيانًا أخرى يجعلها أقوى، ولا أحد يستطيع أن يقهرها طالما بداخلها طموح وعزيمة وهدف تسعى إليه، مفارقات وجدت في بيت بقرية فقيرة بتركيا، نجد هذا المنزل في كل مكان في العالم، القسوة والقوة والضعف وأموات يشبهون الأحياء.

نجد بطلة الرواية التي عانت وعاشت في أفقر بقعة في ياسليهان بتركيا، المهاجرون، أناس قبعوا في هذا المستنقع، من لم يروا أبدًا ضوء النهار، الخاملون ومن خاب أملهم، كل هؤلاء لا يفصل بينهم سوى خيط رفيع، هم أناس يكابدون فقط لأجل البقاء، وقد نسوا منذ زمن حقيقة أنهم بشر، ومع أب تتمنى دومًا عدم رؤيته في المنزل؛ لأن وجوده يمثل علامة على وجود خطر، كان لديه القدرة على أن يحول أي مكان يكون فيه إلى جحيم، فهو لم يتزوج أمها في الأساس إلّا لثروتها، وما أن حُرمت من الميراث، وعرف أنه لن يتسنى له أن يضع ما يكفيه من مال في جيبه قبل أن يتجه إلى المدينة ليتمتع به؛ حتى هاجم زوجته القبيحة بالضرب والركل، صفعات ولكمات، وهذا ما ناله أولاده كل بدوره كي يعملوا، كانت تحسد جيرانها على الثرثرة والضحك، هذه السعادة التي لا تبعد عن منزلهم سوى خطوات، هكذا تسنّى لـ«نارين» أن ترى النعيم والعذاب معًا في تلك السن الصغيرة، لكن هذه الفتاة كانت لها أحلامها وطموحاتها الخاصة التي جعلتها تفعل ما يظنه الآخرون مستحيلًا، كانت عنيدة ومثلها مثل كل من يتغلب على أي تحدٍّ بالتدريب والمرِاس، فقد أدركت أنه طالما رغبت في تحقيق أمر ما، فلا يمكن لأحد أو لشيء أن يمنعك عنه، طالما كنت عازمًا. نجحت «نارين» في أن تهرب وتصل إلى إسطنبول، وتعمل وتلتحق بالجامعة، نجحت فى أن تجد لنفسها مأوى في هذه المدينة الضخمة، واستطاعت أيضًا أن تتحدث مثلهم وترتدي مثلهم؛ ثارت «نارين» وكسرت القيود والحواجز التي تحيط بها .

وما بين حياتها الجديدة، ومهنة المحاماة، وهروبها من الماضي ومحاولة نسيانه، تلتقي «نارين» بحب مراهقتها الأول فتعود إليها ذاكرتها وروحها المنكسرة، تعلم أن حياة الناس لا تتوقف لمجرد أنك لا تراهم، لكن الذكريات مثلها مثل المشاعر تمضي بلا جواب شافٍ، ولكن أسوأ شيء أن ينظر إليك شخص تعرفه جيدًا هذه النظرة الخاوية وأنت قلبك يحترق!

هذا ما ظنته «نارين» عندما التقت بـ«فيرات» وهو مع أخرى .

قاومت تلك المشاعر بانغماسها في العمل؛ وهذا أسوأ شيء يمكن لأحد أن يقوم به حتى يحافظ على رجاحة عقله .

وكانت بداية لاختبارات وقرارات مصيرية في حياتها، حيث تأخذنا الكاتبة إلى علاقتها بصديقتها التي يحب «فيرات» أختها، ومحاولة هروبها من مشاعرها كي لا تخسر صديقتها الوحيدة، واختبار حبها له ولنفسها، فقد رجحت كفة صديقتها، إلّا أن القدر يصر أن يمارس مثل هذه الألاعيب على أناس عقولهم في الأصل مشوشة؛ فقد أنقذتها صديقتها من الهروب مرة أخرى بخدعة كما في أفلام الإثارة والأكشن، وجمعت بينها وبين حبيبها مرة أخرى .

كان الطريق طويلًا ومدهشًا من قرية في الأناضول إلى حياة إسطنبول البراقة وليلها، نعيد التفكير مع «نارين» في الخطوات التي اتخذتها على الطريق، اللقاء، والانفصال، والصداقة، والخسائر، والتفاني، والطموح، والأمل، والبحث الدائم عن مكان للحب والأمان .

نقدي الوحيد للرواية أنها تناولت قصة الحب بسطحية، ربما بلطف ورقة وجموح المراهقين، وليس لأشخاص مروا بتجارب تقصم الظهر وجعلتهم ناضجين، ليس بقوة الحب الحقيقي، ولأول مرة أجد العمل الدرامى لرواية أفضل من الرواية نفسها.

لم أتبين هدف الكاتبة بهشاشة أبطالها في نهاية الرواية؛ ربما الإنسان يصبح أضعف كلما مرت عليه السنون، فبدلًا من أن ينضج يصبح مشتتًا فاقد العزيمة.

التعريف بالكاتبة..

هاندي ألتايلي مواليد1971، حصلت على البكالوريوس في العلوم السياسية والعلاقات الخارجية، صدرت لها رواية «الشيطان امرأة» 2006، وروايتها الثانية «الداء» عام 2009.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد