لحظات اليأس هي أنسب وقت لإجبار نفسك على أن تكون أشد عزمًا, استولد في ذلك الطاقة الداخلية؛ لكي تتجاوز الحظر، كل خطأ ترتكبه يمكنك تصحيحه بمزيد من الجرأة، تجاهل المحبطين الذين يدعونك للانسحاب عند كل خطوة مهمة في حياتك، وفرك الداخلي سيقودك إلى الفوز!

أعظم ضعف في حياتنا هو فقد الجرأة، وفقدان الهدف معه, ونصبح دائمًا حذرين بدون داع، الخوف من أقل شيء، وأحيانًا من لا شيء!

نصيحة غالية يقدمها صان تسو «مهما كانت الأوضاع والظروف سيئة، وحين تكون لديك كل أسباب الخوف، فلا تخش شيئًا، وحين تحاصرك المخاطر، فلا تخش منها شيئًا، حين تنعدم الموارد لديك اعتمد حينها على انعدام الموارد».

يقصد صان تسو من كلامه أن تتصرف كأنك تملك الدنيا؛ فأحيانا التحرك بدون ضغوطات يكون مفيدًا، ويتيح لك حرية التصرف وحرية تحمل المسئولية؛ فالخسارة قد أتت، فإذا أتت ثانية فهذا معتاد، ولكن إذا أتى النجاح فسيقلب الموازين؛ لأنك حينها لم تنجح فقط، ولكنك قلبت الطاولة، وخرجت من رحم الفشل إلى الإنجاز الذي لا يعبره إلا القوي بنفسه، والناس الآن ضعفاء يحتاجون إلى حبوب ثقة بالنفس، فتراهم يلجأون لعيادات الطب النفسي للاستشارة.

يقولون في كتب التاريخ إن خطى الإسكندر في سيطرته على العالم تصلح لأن تكون مثالًا جيدًا في إدارة حياتك؛ فأولًا قم بتوضيح حياتك، وفك شفرتها، وقرر الشيء الذي قررت أن تفعله، والطريق الذي تريده أن تصل من خلاله، وتخيل نفسك تحقق هذا المصير، وهذه إحدى نصائح أرسطو التي تقول «أن تحكم عواطفك جيدًا وتتعلم التفكير قدمًا» قائلًا لنفسك «هذا التصرف سيقربني أكثر من هدفي، أما هذا فلن يفضي إلى شيء»، وهذا سيبقيك على الطريق الصحيح.

فاليأس أحيانا يكون نعمة لإرشادك للطريق الصحيح والهدف الصحيح والعمل الصحيح، فاستغل أفضل ما في اللحظة، وابتعد عن السيئ فيها، يقولون إن الولادة الجديدة وأنت بالغ ممتعة كثيرة، فلا تضيعها .

في عام 1845 صَدم الكاتب «دوستوفيسكي» الذي كان في سن الـ24 الوسط الأدبي بنشر أولى رواياته «المسكين»، حتى إنه أصبح مُعترفًا به داخل هذا الوسط، وبدأ في تلك الأثناء انجرافه إلى محيط الساسة اليمينيين، وبدأ يحضر اجتماعات اشتراكية راديكالية، وبعد 3 سنوات اندلعت الثورة في أنحاء أوروبا، فبدأت تلك المجموعات تحذو حذو مثيلتها في أوروبا، لكن جواسيس القصير «نيكولاس» اخترقوا العديد من الاجتماعات والمجموعات، وكانوا يرسلون تقارير عن تلك الأمور.

كان دوستوفيسكي مؤيدًا لتحرير الفلاحين المملوكين إقطاعيًا، وتم القبض على 24 عضوًا، من بينهم دوستوفيسكي، وقضى 8 أشهر داخل أحد السجون، وفي صبيحة ذات يوم قِيل لهم «إنهم سيسمعون أخيرًا الأحكام الصادرة في حقهم»، وتم وضعهم في عربات، واقتيدوا في شوارع «بطرسبرغ» حتى وصلوا إلى الساحة الرئيسة، حيث حياهم كاهن، واقتيدوا إلى منصة الإعدام وسط الساحة.

لم يصدق دوستوفسكي ما تراه عيناه، همس للرجل الواقف بجواره «لا يعقل أنهم يريدون إعدامنا!»، كان يومًا باردًا، وكان السجناء يرتدون الملابس الخفيفة، وتم سماع قرع الطبول، وتقدم ضابط، وتلا عليهم حكمًا بالإعدام رميًا بالرصاص، انتهى الأمر حينها!

كان دوستوفسكي حينها يحدق النظر في القبة الذهبية لكنيسة مجاورة، وخطر لذهنه أنه على وشك العبور إلى الظلمة نفسها، وخطرت له فكرة أخرى: أنه إذا لم يمت، ستبدو حياته فجأة لا نهائية، كل دقيقة ستصبح قرنًا من الزمان، لن يهدر ثانية واحدة من حياته بعدها!

وأعطي السجناء الأقنعة، وتقدم الكاهن؛ لكي يقرأ الشعائر الأخيرة، ويسمع اعترافاتهم، وفجأة وصلت عربة مسرعة إلى الساحة، وترجل منها شخص يحمل مغلفًا، المفاجأة أن القيصر خفف الحكم إلى 4 سنوات عقوبة شاقة بدلًا من الإعدام، تتبعها فترة خدمة في الجيش!

تأثر دوستوفيسكي وكتب رسالة لأخيه «حين أنظر إلى الماضي، وأفكر في المستقبل، وفي كل السنوات التي أهدرتها في الخطأ والتبطل، ينزف قلبي ألمًا، كل دقيقة يمكن أن تكون أبدية من السعادة، فقط لو يعرف الشاب ذلك، الآن سأولد من جديد». انتهت الرسالة.

خلال السنوات الأربع التالية تحمل أقصى ظروف السجن، ولم يمنح حق الكتابة، ولكنه كتب رواياته في رأسه، إلى أن جاء في فترة العقوبة في الجيش وسمح له بالكتابة، واستكمل نشر أعماله، صار الآن يكتب بلا توقف، كان أصدقاؤه يرونه وهو يمشي متمتمًا الحوارات، غارقًا كليا في شخصياته وحبكاته القصصية، وأصبح شعاره الجديد «حاول أن تنجز أقصى ما يمكنك إنجازه في أقصر وقت ممكن».

أصدقاؤه كان يشفقون عليه؛ بسبب الفترة التي قضاها في الجيش والسجن، وكان ذلك يغضبه وبشدة؛ فهو دائمًا يشعر بالامتنان لهذه التجربة، ولا يشعر بالمرارة، فهي من أيقظت قدرته الروحية، ومن حينها تابع الكتابة بجنون، مؤلفًا الرواية بعد الرواية, وظل طوال حياته يعيد قسمه بألا يهدر أي لحظة أخرى من حياته، حتى إنه إذا شعر بأنه راض عن نفسه أو مرتاح يذهب إلى الكازينو ويقامر بكل أمواله، كان الفقر والديون بالنسبة إليه نوعين من الموت الرمزي يعيده إلى الانعدامية المحتملة للحياة.

لكن دوستيفسكي الذي لم يحول فقط لحظة فشل إلى نجاح، بل حول لحظة موت إلى حياة أبدية الآلاف، ومن بينهم أنت تقرأ قصته والملايين يقرأون رواياته ويحفظونها عن ظهر قلب.
إنسان عرف قيمة الحياة فلم يهدر ثانية، أنت بالتأكيد لا تحتاج لحكم إعدام لكي تتحول إلى عظيم، أنت عليك أن تدعك من الراحة، ولو قليلًا، وتدخل إلى الحياة، وحينها ستعرف أن الحياة خلقت؛ لكي تكون ذا علامة فيها.

عليك فقط أن تضع نفسك في ذلك الإحساس الطارئ بتحمل المسئولية، وحينها ستعرف نفسك جيدًا، بل طريقك إلى هدفك، فقط ابدأ!

كيف يعيش الإنسان دون حلم يكون أمامه، يتخيله ويعيشه كل لحظة في حياته، ويستمد منه القوة؟ فالحياة خلقت على الأمل، والأمل خُلق على الحلم للمستقبل المشرق، حلم يصدقه، ويكون من أجله الاشتغال بعظائم الأمور، ويكون بسببه من أصحاب الهمم العليا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد