لم يكن أبدًا على سبيل العبث أن تكون أول آية نزلت على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ «اقرأ».

كانت البوصلة التي يجب أن توجه حياة كل شخص باعتبارها أول رسالة بين رسول الأرض ورسول السماء، ولا أشك في أن من يقرأ أكثر يرى أكثر، ويعيش أفضل، طبعًا إنها الكلمة التي أدهشت رسول الله، وأقامت عليه ومعه الناس، كما جاء في إحدى كتب مالك بن نبي.

إن الالتزام بالأمر الإلهي الأول يورث البركة وإكرام الله للقارىء، «اقرأ وربك الأكرم».

وتاريخ الإنسانية حافل بالنماذج التي عرفت مكانة القراءة فتذوقتها وأبدعت فصنعت حياة أخرى؛ لأن واحدة لم تكن تكفي كثيري الفضول المتطلعين إلى المزيد في هذا الدنيا، لن أذكر نماذجًا من الماضي السحيق حتى لا يكون لنا حجة للتهرب.

فهاهو ذا الدكتور طارق السويدان يأتيه أحد أبنائه ليلًا، وهو يقرأ ويكتب ليقول له: ارتح قليلًا، فيقول: راحتي تكمن هنا !

والدكتور أيمن العتوم الروائي الفذ الذي يحسب ألف حساب قبل أن يؤلف رواية، تحكي زوجته عن ظروف كتابة رواية حديث الجنود، فتقول: بقي في البيت لوحده شهرين؛ ليكتبها. وقبل أن يفعل قرأ 150 كتابًا. ويحكي هو عن نفسه حينما سجن كان في مهجع يحتوي 10 سجناء، وكان اثنان فقط يطالعان فكان يطلب من كل سجين أن يحضر كتابًا ليقرأه هو؛ فيخرج بـ 10 كتب في أسبوع.

وهاهو المفكر والفيلسوف علي عزت بيجوفيتش يحكي في كتابه «هروبي إلى الحرية»، وهو عبارة عن خواطر كتبها في السجن، وذكر فيها الكتب التي قرأها؛ فتعجب لسعة اطلاعه؛ فقد غرف من الفلسفة والأدب والفكر والسياسة.

وكثير كثير من الأشخاص الذين لا يتسع المقال لذكرهم، وأظن أن الشيء المشترك بين أغلب العظماء هو أنهم أدركوا قيمة القراءة.

سبحان الله! كلما ازداد الإنسان قراءة، ازداد علمًا بكمية جهله، فيدفعه ذلك إلى البحث والاطلاع أكثر؛ فيظل عاكفًا على ذلك حتى آخر نفس في حياته، إنها بمثابة الجهاز المناعي الذي يحمي الجسم من الفيروسات والبكتيريا، فهي إذا ما كانت واعية درع واق من الأفكار الخبيثة والممرضة، الفرق بينهما أن الجهاز المناعي يضعف مع العمر، فيصبح الجسم أكثر عرضة للعوامل الممرضة، لكن القراءة تقوي الفكر وتنضجه كلما زادت.

ولا تحسبنها مجرد عملية فيزيائية بين القارىء والكتاب، إنها عملية معقدة نوعًا ما، خاصة بالنسبة للمبتدئين أمثالي، تشبه عمل Logiciel معين الذي يشفر رموزًا إلى كلمات مفهومة، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالكتب الدسمة.

فالقراءة الجيدة الجادة تقتضي إسهام القارىء فيما يقرأ، ويحتاج هذا إلى وقت، كالنحلة التي تحول الرحيق في بطنها إلى عسل، كما وصفها علي عزت بيجوفيتش في كتابه ـ هروبي إلى الحرية ـ ص 32.

إنها بداية الطريق نحو الوعي والإدراك، كالرياضة، تحتاج إلى تمارين عدة حتى تروض نفسك عليها، ولنتأكد أننا لن نصل أبدًا إلى نهاية الطريق؛ لأنه مهما اكتسبنا من معارف، وخبرات تبقى مجرد قطرة من بحر علم الخالق سبحانه! فنحن نقرأ لنبتعد عن نقطة الجهل لا لنصل لنقطة العلم.

أود أن أتطرق إلى فكرة شاعت بين من يختلقون الأعذار ليتخلصوا من واجب القراءة.

تقول بأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقرأ فلماذا نعتبر القراءة فرضًا أو ربما هؤلاء يحصرون القراءة في القرآن فقط، حسب رأيي، المتواضع فإنه من العيب أن نقارن أنفسنا في هذا المجال بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه يمتلك خاصية الرسل والأنبياء، فقد آتاهم الله تعالى الحكمة والعلم من عنده، ومع ذلك كلفهم الله بالعديد من المهام الصعبة، فهناك أيضًا قراءة في العالم المنظور؛ لأن الاكتفاء بالعالم المسطور وحده غير كاف.

فعلينا أن نجتهد ونقرأ ونبحث.

أما بالنسبة لحد القراءة عند القرآن، ترى هل حددت الآية المقروء؟ لم يحدد لنا الله عز وجل ما نقرأه، ربما ليترك لنا المجال مفتوحًا.

نحن الشباب بحاجة ماسة إلى القراءة، وليست أية قراءة تلك القراءة التي تستفز عقلك وأفكارك فتدفعك إلى الشك والسؤال ومن ثم البحث، يقول ديكارت «كلما شككت ازددت تفكيرًا، فازددت يقينًا بوجودي»، فالقراءة الواعية تحفظ كرامة الإنسان.

حتى نعيد المجد، علينا أن نعيد توجيه البوصلة القرآنية التي ضاعت لقرون، فلنقرأ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد