«عُقِد في أنقرة اجتماعًا مهمًّا لمجلس الأمن القومي التركي، الخميس 30 مايو (أيار) 2019، وبعد انتهاء الاجتماع أجرى الرئيس التركي اتصالًا هاتفيًّا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، إذ أكد (أردوغان) ضرورة وقف إطلاق النار في إدلب بأقرب وقت ممكن، كما أشار إلى أهمية التركيز على عملية الحل السياسي مجددًا».

عندما يعقد اجتماع يُعنى بالأمن القومي التركي فهو مهم فعلًا، لا يستطيع الرئيس التركي قطع علاقاته مع نظيره الروسي، رغم ما وصلت إليه العلاقات من حدّة وتوتر، يرغب الطرفان في الحسم ولكن التركي يريده سياسيًّا أمّا الروسي فيريده عسكريًّا، التركي يخشى خطر الهجرة المتزايدة والمتّجهة نحو بلاده، الروسي لا يهمه من الأمر سوى تحقيق انفراجة لنظام الأسد، وهذا من شأنه يجعل المصالح الروسية تجري على الأراضي السورية كما يخطط لها، فبعد حصول الروس على مرفأ ميناء طرطوس لمدة 49 عامًا من تاريخ التوقيع، لا سيما هناك في المرحلة القادمة خططًا إجرائية حول بيع مطار دمشق الدولي لروسيا، وعلى ضوء ذلك فهي بحاجة لفتح الطرق الدولية حلب اللاذقية- حلب دمشق!

بالمحصلة تعد ساحة «إدلب» ساحة لعقد التفاهمات، والأمر أخذ بالتصاعد في شكل الصراع بين الجانبين، تجهيزات وتعزيزات تركية وصلت إلى نقاط المراقبة التركية 12، وللوقوف بجانب الجيش الحر في المنطقة المتصارع عليها وهي المنطقة الرابعة من خفض التصعيد، وتوالي القصف الوحشي على رؤوس المدنيين في أرياف حماة وإدلب، خلف ضحايا لا تعد ولا تحصى ونازحين بالآلاف، وإلى أين اللجوء والحدود مغلقة في الوجوه! عدا عن الإعلام التركي الذي يمهّد لمعركة كبيرة بتغطيته لما يحدث في إدلب!

بالعودة لنقطة المصالح، الرئيس التركي أشار عقب اتصاله بالرئيس الروسي إلى أن علاقات بلاده الثنائية مع روسيا تمضي قدمًا، وأنّه سيستعرض مع «بوتين» على هامش قمة العشرين التي ستعقد في مدينة أوساكا في اليابان، يومي 28 و29 من شهر يوليو (تموز) القادم، وفي المقابل قال المتحدث باسم الكرملين «ديمتري بيسكوف»: «إنّه لا يوجد خلاف في وجهات النظر بين روسيا وتركيا، بخصوص التوصل إلى حل في إدلب السورية».

وأضاف «بيسكوف» لا بد من التوصل لوقف إطلاق النار في المنطقة، لا بد من توقف الهجمات على مناطق وجود الروس بما فيها حميميم وإدلب وبخصوص صفقة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية (إس 400) مع تركيا، قال بيسكوف: «هذا الاتفاق سارٍ بالتأكيد، وهو في مرحلة التنفيذ، وأكدت تركيا عدة مرات التزامها بالاتفاق».

أسئلة كثيرة تدور، ومن الصعب تحديد معيارية الإجابة عنها: ماذا يُفهم من كل ما حدث ويحدث؟! هل النظام السوري خارج اللعبة والمصالح المشتركة بين الأتراك والروس هي الأولى؟ هل الرئيس التركي أدهى من الروسي كونه يناور على كل الأطراف؟ هل نجح الروسي بالضغط على التركي من خلال تصعيده العنيف على إدلب؟

كان في عقد اتفاق سوتشي الذي تمّ بين – روسيا وتركيا- في 17 سبتمبر (أيلول) 2018، أبعادًا ونوايا داخلية تخدم الدولة التركية ورئيسها تحديدًا، والقارئ للمشهد يتذكر تفاصيله، بعيدًا عن الغمز واللمز، اتفاق سوتشي كان بمثابة «مسكن ألم» لأنصار أردوغان ومؤيديه، وللأتراك خصوصًا، فالاتفاق جاء توقيعه في وقتٍ شديد الأهمية بالنسبة للرئيس التركي، لأنّه تزامن مع حملاته الانتخابية، التي يريد لها أن تمرّ وتسير بسلام، وبما أنّ شخصية الرئيس «أردوغان» شعاراتية خطابيّة، فبعض التحركات والتنسيقات التي يقدم عليها الرئيس توصف «بالمسكنات» التي توقف الألم وتُشعر صاحبها بالرضى، فلا يسعه حينها إلّا التصفيق الحار، والتّوجه لصناديق الاقتراع، أمّا التعبير السوري اختلف عن التركي، فالمدحُ والتعويل والشغل الشاغل – عند البعض- في سنوات الثورة هو البحث عن القائد الملهم إلى أن وجدوه! اتفاق سوتشي هو مذكرة تفاهم تُقرب الطرفين لأجل فتح أبواب معاملات وتعاملات جديدة، فكلا الطرفين (الروس والأتراك) يُظهرون خلاف ما يبطنون، فالعلّة الظاهرة التي أوجبت توقيع الاتفاق بالنسبة للتركي هي تجنيب إدلب هول الاجتياح أو الحرب عليها من قبل قوات النظام السوري المدعومة روسيًّا، وبالتالي ستكون نقاط المراقبة التركية في مأمن، والحد من تدفق النازحين إلى أراضيها، فضلاً عن وضع التركي شروطًا فوق طاقة الروسي، وأهم شرط كما تناولته وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار، وصار معلومًا هو تذكير التركي للروسي «إذا كنت تريد إدلب لبسط سيطرة النظام السوري، وللحفاظ على قاعدة حميميم، فالمقابل هو سيطرتنا (الجيش التركي مع الجيش الحر) على تل رفعت وصولًا إلى شمال حلب».

ما الذي تحقق من اتفاق سوتشي إلى الآن؟!

مع تعدد بنود الاتفاق المنصوص عليه من الجانبين فإنه لم يتحقق سوى تعزيز نقاط المراقبة التركية 12، وسحب المعارضة لأسلحتها الهجومية من منطقة نزع السلاح، وبالمقابل لم تخرج هيئة تحرير الشام من المنطقة منزوعة السلاح، ولم تسيَّر دوريات مشتركة (روسية تركية) على حدود المنطقة، ولم تفتح الطرق «حلب دمشق»، «حلب اللاذقية» التي تعهدت هيئة تحرير الشام أن تتولى حمايتها في إدلب، والأهم من كلّ ما ذُكر هو أنّ النظام السوري لم يتوقف عن إطلاق النار وتصعيده على المنطقة الرابعة ما زال مستمرًا إلى اليوم، بل إنّه لم يسحب أسلحته أصلاً بناءً على ما اتفق عليه، الأمر الذي أوصل الأتراك والروس إلى الاعتراف بعدم تنفيذ اتفاق سوتشي، على العكس زاد الأمر سوءًا وتعقيدًا، وعلى هذا الأساس بدأ اندلاع المعارك مجددًا وحُكِم على الاتفاق بالانهيار! ورغم تأزم الوضع دعا الرئيس الروسي بتاريخ 25 أبريل (نيسان)، لجولة جديدة في سوتشي رقم 12 لاتفاق «أستانة» والغاية منها، هي لتقييم وضع اللجنة الدستورية وللوصول إلى مخرجات بشأن مبادرة الرئيس «بوتين» للحل في سوريا، كي يعرضها على بشار الأسد! ولكن باءت المباحثات بالفشل.

ذرائع روسية للتنصّل من الاتفاق «سوتشي»

سارت السفن في اجتماعات أستانة الأخيرة بما لا تشتهي روسيا، فقد لوحظ على الروس أنّهم متضايقون من الحصار الأمريكي النفطي على النظام السوري، وهذا يضعفهم في سوريا، كما أبدوا عن عدم ارتياحهم لما وصلت إليه التّفاهمات الثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا بخصوص شرق الفرات، الروس حقيقةً لا يريدون أي حل في سوريا بمعزل عنهم، فهم يرون أنفسهم قطبًا على الساحة الدولية والسورية، من جانب آخر، والذي أثار حفيظة الروس هو رفض الأتراك لحماية الدوريات المشتركة، عدا عن بقاء هيئة تحرير الشام في المنطقة منزوعة السلاح، وتركيا لم تضغط على الهيئة بشيء والاتفاق بخصوصهم لم ينفذ!

تأييد تركي وضوء أخضر أمريكي

أكدت وكالة «رويترز» للأنباء أنّ تركيا قدمت إمدادات عسكرية جديدة لقوات المعارضة السورية، لمساعدتهم في صدّ محاولات نظام الأسد والروس في التقدم، كما نقلت الوكالة عن مصادر كبيرة في المعارضة السورية السبت 25 مايو 2019 أنّ أنقرة قامت بزيادة حجم الإمدادات خلال الأيام القليلة الماضية، وذلك بعد عدم تمكّنها من إقناع روسيا خلال مجموعة عمل مشتركة في إيقاف التصعيد على المنطقة، والذي قد يؤدي لموجة لجوء نحو تركيا، وذكر القيادي في صفوف قوات المعارضة أنّ أنقرة تتجه إلى الحفاظ على نفوذها في الشمال السوري، إذ عززت وجودها العسكري في المنطقة من خلال تحالفها مع الجيش الحر ونشر نقاط مراقبتها الاثنتا عشرة، كما شهدت شخصية معارضة أخرى لوكالة رويترز أنّ تسليم تركيا قوات المعارضة لعشرات المدرعات ومنصات لإطلاق الغراد، ومضادات الدروع وصواريخ «التاو» مكنت قوات المعارضة من استعادة «كفر نبودة» قبل أيام من أيدي النظام السوري.

وتتابع الوكالة بأنّها نقلت عن مصدر استخباراتي عسكري أنّ الولايات المتحدة الأمريكية أعطت ضوءًا أخضر لقوات المعارضة السورية – المعتدلة- التي تدعمها تركيا لاستخدام كميات من صواريخ التاو الأمريكية، في حين انتقدت واشنطن الحملة الأخيرة لروسيا على أرياف حماة وإدلب، ودعتها إلى وقف إطلاق النار، محذرةً من استخدام أي نوع من أنواع الأسلحة الكيماوية، فالرّد سيكون سريعًا حسب ما قالته «واشنطن».

وعلى ضوء الاستعدادات لإشعال الجبهات وفتح أخرى جديدة، أفاد موقع «مدى بوست» يوم الأحد 26 مايو 2019 عن انعقاد اجتماع مستعجل جمع كبرى الفصائل والتشكيلات العسكرية في إحدى مناطق الشمال السوري المحرر، بحثوا خلاله آخر التطورات الميدانية في الجبهات المشتعلة «بأرياف حماة واللاذقية وإدلب».

ويبقى التساؤل رهن الواقع: هل في إدلب معركة حقيقة أم هي عبارة عن «تسخين» للأطراف لأجل تحصيل أكبر قدر من المكاسب وفرض الوجود على الساحة من خلال معركة ليّ الذراع وكسر العظم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد