يلخص العنوان محتوى الكتاب الذي يتطرق إلى قضيتين أساسيتين، المرأة والفكر والمرأة والسياسة، أي دور للمرأة، وللمرأة العربية خصوصًا في مجال الفكر؟ ما إنتاجاتها وإضافاتها؟ ما قيمة حضورها وثقلها بالميدان؟ ما طبيعة المعوقات والتحديات التي تحد وتقمع من عطائها الفكري؟ ثم هناك الشق السياسي من الكتاب، ما مدى تمثيلية المرأة بالمجال السياسي وما مدى قوتها به؟ إلى أي حد يبرز دورها في اتخاذ القرار وصنعه؟ ثم أي علاقة تربط الفكر بالسياسة؟ إلى أي حد يتكامل هذان العنصران من أجل الرقي بوضع المرأة في المجتمع؟ كيف يمكن للفكر أن يغير من العقلية الذكورية التقليدية للمرأة؟ وكيف يمكن للسياسة أن تحطم العوائق التي تمنعها من تحقيق ذاتها في المجتمع؟ أسئلة وأخرى يحيلنا لها هذا العنوان المثير.

الكتاب المنوط بالقراءة في مجمله عبارة عن تجميع لعدد كبير من المقالات التي كتبتها السعداوي في مختلف مراحل حياتها، وكذا لمجموعة من الحوارات والمواقف من حياتها الخاصة، ما يجعل من هذا الكتاب عصارة فِكر وثقافة وتَجربة الكاتبة عبر سنين حياتها، فمن خلاله بالضبط أثبتت السعداوي تشبثها بأفكارها التحررية ومدى قناعتها بما تريده، بل قدرتها على مجابهة الانتقادات والسعي وراء تحقيق مبتغياتها المتجلية في نصرة العقل والمجتمع والمرأة.

السعداوي هنا قسمت كتابها إلى أربعة فصول رئيسية، «فن وإبداع – المرأة – فكر وثقافة – سياسة» بكل فصل جعلتنا الكاتبة نعيش معها تفاصيل أفكارها الثورية ومواقف حياتها المختلفة، فمن خلال هذا الكتاب تقدم لنا السعداوي تجربتها الخاصة بصفتها امرأة عربية مفكرة، وتحدثنا عن التحديات التي أعاقتها عن احلامها، وكيف تمكنت من تجاوزها وتحقيق مكانة مرموقة عربيًّا وعالميًّا.

تبدأ نوال بحكاية بعض المواقف عن طفولتها وعن المجتمع الذي حاول أن يغلفها بفكر تقليدي محدود، ثم نعيش معها تجربة التحدي من أجل تحقيق الذات، تنقلنا إلى عالم المشفى وحالة المرأة بمجال الطب، ثم نعيش معها كيف تحدت أخيرًا القيود المجتمعية واعتزلت كل شيء من أجل التفرغ لعالم الفكر، كونه كان الحلم الذي حُرمت منه، والوسيلة الأنجع لتمرير أفكارها وتغيير واقع المجتمع عمومًا والمرأة على الخصوص، هكذا فهو كتاب سياسي وفكري قبل أن يكون كتابًا عن المرأة، كون نوال عبرت من خلاله عن قضيتها الكبرى، وهي قضية المجتمع والإنسانية، وأن سبب تركيزها على المرأة هو كونها العنصر الأكثر تضررًا من الوضع القائم. ماذا أرادت السعداوي أن تمرره لنا من خلال هذا الموضوع؟

ترى نوال أن الدافع الأساسي لخلق الإبداع وتكوين أناس مبدعين يكمن في الطفولة، وذلك عن طريق التساؤل، ومن خلال تجربتها توضح لنا كيف تكون أسئلة الذكور أكثر أهمية وأقل شذوذًا في عيون الأهل والمجتمع، بل إنها تجد الأجوبة المناسبة، في حين أن تساؤلات الفتاة يتم قمعها وتحريمها امتثالًا للقيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية، بل حتى فيما يخص الأحلام يتم تشجيع الصبيان على السعي وراء أحلامهم في حين يتم كبح أحلام الأنثى وحجزها في مساحة البيت، وتعتبر نوال أن فكرة الأنوثة ترتبط بشكل كبير بالعبودية، وأحيانًا حتى الإبداع تحت هذا المفهوم يكون تعزيزًا للعبودية، حيث يجب التحرر من أي انتساب يصنف المرأة تحت صنف ما، وذلك لكون فكرة الأُنثوية التي يتطلع بها المجتمع إلى الأنثى مرتبطة لديه ببعض الأفكار والتوجهات المهدمة للمرأة والإبداع الحر.

تتحدث نوال عن الإبداع في مجال النقد والأدب، قائلة إن الفكر الذكوري يغلف المرأة، ويُكسبها قناعة قوية بعجزها عن مسايرة الرجل، وحلًّا لذلك فإن الطريق إلى التحرر من هذه القيود هو دراسة جذور الفكر الأبوي والتعرف إليه لتجريده من القدسية، أما فيما يخص النساء المبدعات الراغبات في تكسير القيود، فإن الرجل الناقد يقف لهن بالمرصاد، وذلك بتجاهل أعمالهن واعتبارها غير ذات أهمية أدبية وفكرية، بحيث لا تستجيب للشروط الأخلاقية والدينية.

تتحدث نوال عن القمع الروحي للمرأة الذي يبعدها عن مجال الفكر، والمتمثل أساسًا في رجال الدين، الذين ينهجون مع المرأة سياسة الترهيب من عذاب القبر وجهنم إذ ما هي تمردت على محيطها الذكوري

تتطرق الكاتبة إلى موضوع الفن، حيث ترى أن الفن التشكيلي يعتمد كثيرًا في تصوراته على جسد المرأة أكثر من جسد الرجل، وفي ذلك اختزال لقيمة المرأة في الجسد.

وبين الآراء الدينية المتشددة والأفكار الغربية المتحررة، تجد المرأة نفسها بضاعة جنسية لا تصلح لشيء آخر، فالفكر الغربي الداعي إلى الحرية عن طريق العري، والفكر الديني الداعي إلى تغليف هذا الجسد، كلاهما يُلخصان قيمة المرأة في الجسد والجنس، وحسب الكاتبة، فظواهر من هذا النوع لا تقتصر على المجتمع العربي بل حتى بالدول المتقدمة لكن بحدة أقل.

تفسر نوال عزوف النقاد عن الأعمال الأدبية النسوية لكون النساء يلمسن بكتاباتهن أوتارًا حساسة بالمجتمع، الشيء الذي يُعد طبيعيًّا في حالتهن المزرية وتفسر هذا التجاهل كذلك في رغبة الرجل في تبني قضية المرأة وتسييرها حسب مصالحه الخاصة، كما كان الحال مع قاسم أمين نموذجًا من نماذج تحطيم المرأة، حيث من الضرورة ترك الفرصة للنساء من أجل النقد والتعبير عن آرائهن الخاصة في جميع المجالات الفكرية، كون هذه الآراء تملك نطفة نسوية لن يتمكن الرجل من بلوغها.

تدعو نوال النساء بهذا الصدد إلى الاقتداء بالمَلكات الفرعونيات القديمات رمزًا للحرية بدل الاقتداء بالغرب والآراء الدينية.

وتشير سعداوي إلى أنه تم تغيير موازين العديد من العلوم بعد أن عبرت المرأة عن رأيها بهن، كالفلسفة والبيولوجيا وغيرها، إذ أثبتت المرأة من خلال هذه العلوم قوتها وقدرتها على العطاء عكس ما كان يشاع عن عجزها البيولوجي والفكري، فالمرأة يجب أن تنتصر بعقلها وجهدها وليس بالمكر كما تم تصويره ببعض المؤلفات والشخصيات مثل شهرزاد

ترى نوال أن العقل والفكر هما سبيل المرأة الوحيد للخروج من ثنائية الفكر الغربي والفكر الإسلامي، الذي سيعمق من أزمتها. كون حجاب العقل هو الأشد خطرًا من حجاب الشعر ومساحيق التجميل، ثم تتطرق بهذا الخصوص إلى أهمية جانب الاستقلال الاقتصادي في ضمان كرامة المرأة وحريتها.

وتتحدث نوال عن الحروب والأزمات العربية ودورها في قتل جانب الإبداع عند المرأة التي يقع عليها ثقل المسؤولية في المصائب التي بالعادة ما يخلفها الرجل. وتوبخ سعداوي هنا الأنظمة الاقتصادية الحديثة لما تعمدت خلقه من فتنة بالمجتمع العربي، وخاصة الأزمة العربية الإسرائيلية التي تُجبر المرأة الفلسطينية على تحمل أعباء جد ثقيلة، تبعدها عن مجال الفكر والسياسة، وتدعو نوال إلى دمج المرأة الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء في موضع اتخاذ القرار، لعل الأزمة تجد مخرجًا مغايرًا من وجهتيهما، بل إنها تدعو إلى مسألة التجديد النسوي في كل شيء، حتى في الأديان التي فُسرت تفسيرًا ذُكوريًّا محضًا، فالنظرة النسوية إلى القضايا الفكرية والسياسية جانب أساسي لتحقيق المساواة الحقيقية، وتؤكد السعداوي ضرورة العقل والفكر للخروج من مأزق معاناة المرأة كون باقي التوجهات الجاهزة لا تسعى إلا الى تحطيمها.

فيما يخص الأسرة، التي يدعو البعض بقدسية دور الأم بها وبضرورة حفظها وصيانتها، فإن نوال ترى أنه في الوقت الذي يحافظ به المجتمع عن تماسك الأسرة فإنه يمزق تماسك المرأة، بل ترى أن التقدير الحقيقي للأم هو توفير ظروف الرفاهية لها بدلًا من مضاعفة الألم بالقوانين الخرقاء.

ومن هذا ندرك أن نوال تدعو إلى امرأة عربية حديثة تتصدى للظلم وتُقيم مناهجها الخاصة استنادًا إلى العقل والفكر بدل التقليد والانصياع والعبودية، وكذا تتصدى وتُغَير من الفكر الذكوري الذي يعامل المرأة بصفتها سلعة.

اِنتقدت نوال آراء توفيق الحكيم لتقليله من قيمة الأعمال الفكرية والأدبية للنساء المبدعات، حيث شبه مسك القلم عند المرأة بمسك الإبرة، أي أن عملها آلي للغاية وليس عملًا فكريًّا يستدعي النقد، على عكس الدول الغربية حيث باتت الأديبة نموذجًا يقتدى به.

بعيدًا عن النقد ترى نوال أن الإعلام بدوره يعمل على تهميش المرأة والتحطيم من قيمتها، وذلك بالتعامل معها بصفتها جسدًا من خلال الإعلانات وغيرها وليس روحًا مبدعة، خصوصا أن النجاح في هذا المجال وفي باقي المجالات الفكرية يتطلب الخضوع للسلطة بدل السعي بحرية للحقيقة.

تنتقل نوال لانتقاد مصطفى محمود الذي شدد على ضرورة التزام المرأة ببيتها، مستندًا في حديثه إلى النماذج التاريخية حيث كانت المرأة تحكم من غرفة النوم.

تُدين نوال بشدة المستشرقات لوصفهن لحالة المرأة العربية، كونهن لا يملكن الأهلية لذلك، وعلى المرأة أن تَدرس حالتها في مجتمعها بنفسها شكلًا من البحث والفكر النقدي والعلمي.

تبدي نوال ملاحظة مهمة، وهي كيف أن أسماء الشوارع والساحات والمؤسسات بالدول العربية تسمى غالبًا على أسماء مفكرين ذكور في ظل تجاهل شبه تام للمرأة. أما عن قول توفيق الحكيم إن الفكر والعلم والسياسة هي أمور تسلب المرأة أنوثتها وجمالها، فترد عليه نوال بأمثلة من التاريخ حيث تألقت النساء بفكرهن.

من خلال هذه الجولة في كتاب قضايا المرأة والفكر والسياسة، يتبين أن الرسالة السامية التي أرادت نوال إيصالها للمرأة، هي أن مجال الفكر هو الطريق الأنسب والوحيد للتخلص من التراكمات الفكرية الذكورية بالمجتمع وتخليص المرأة من الفكر الذكوري، ووقايتها من التبعية للعالم الغربي. إلا أن الفكر وحده لا يكفي لتحقيق هذه المنجزات، كون الجدار الذكوري يكبح هذه الرغبة، ومن هنا يتجلى دور السياسة أداةً في يد المرأة لفرض صوتها وتفعيل مصالحها ومصالح المجتمع ككل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد