استكمالًا لما جاء في قراءتنا السابقة لإحدى قصائد الشّاعر الأيرلندي وليام باتلر يّيتس، نتناول في هذا المقال قراءة أخرى لإحدى قصائده: Remorse For Intemperate Speech، والمختلفة في طبيعتها الشعرية عن القصيدة السابقة الرّاعي البئيس، أو The Sad Shepard.

في قصيدة Remorse For Intemperate Speech، وهي من أحد قصائد يّيتس القصيرة.. يحكي بها مأساة شعب أيرلندا الخائض حروبًا أهليَة على الهوية: كاثوليكيون، وأرثوذكس، استمرت منذ عصور سحيقة.. وتجددت في أعقاب الحرب العالمية الثانية بالقرن العشرين، واستمرت حتى بلغت أوج صراعتها التي شهدها العالم خلال فترات السبعينات والثمانينات، وحتى منتصف تسعيناتها، يقول:

I sought my betters: though in each
باحثًا عن كل ما تجرعته من مرارات

Fine manners, liberal speech
كنت فيها حذق السلوك، ليبرالي الحديث

Turn hatred into sport
تحولت على أثره كراهيتي لرياضة أمارسها

Nothing said or done can reach
إلا أن ليس ثمة شيءُ قد يقال أو يفعل

My fanatic heart
ليمس قلبي المفعم بالتعّصب

Out of Ireland have we come
أتينا نفورًا من قلب أيرلندا

Great hatred, little room
بكرهٍ عميم، وسط أزقة ضيقة

Maimed us at the start
لقد شوّهونا منذ نعومة أظفارنا

كان وصف يّيتس الدقيق للكراهية بين أبناء الجنس الواحد، تلك التي تسد الآفاق وتمتلئ بها القلوب والنفوس.. وصفًا مرادفًا لأعراض التوحد.. فأيرلندا الضيقة الحواري.. قد مزقتها إربًا .. حربٌ.. لم يكن لجرائم الفرد تجاه الفرد فيها، إلا كماد يده من نافذته ليضرب بها جاره فترتد إليه.. إذ حارتنا ضيقة ونعرف بعضنا.. والذين جعلوا من الكراهية رياضة يمارسونها في دأب.. صباحًا مع أكواب القهوة، ومساء مع كؤوس الجعة.. آخذًا بحصته منها كمثقف عجوز لا يستطيع الهرولة بزجاجات المولوتوف الحارقة مؤثرًا على تلك الفرهدة نصيبه من اللعبة الرياضية بعباراته الليبرالية المطنطنة عن الحرية والكرامة وجدوى الثورة.. إلا أن ذلك لن يمس أبدًا تلك الحقيقة التي يعرفها جيدًا كلُ أيرلندي عن نفسه.. أن تحت جلده المثقف يمكث رابضًا الأيرلندي القُح.. الذي لن يتورع عن نحر رقبة جاره المُخالف له في العقيدة / الرأي / عدد البلطات المفضية لباب بيتهم كأبرد جزار ليعبّ بعدها في هدوء جعته الساخنة الشهية كأيرلندي قُح أيضًا.. وليس ثمة ناج من المجزرة الوحداوية!

ولم يفت يّيتس بالرغم من كونه من طبقة المثقفين من أبناء أيرلندا العُقلاء استخدام خيار الشماعة – كأحد مهارات المثقفين في التخففُ من المسئولية – ملقيًا باللوم على المجهولين أولئك المسئولون سؤالًا مباشرًا في قد شوهونا! والذين من المحتمل أن يكونوا: إما أمن الدولة – بلغتنا الحالية – أو رجالات الدين باعتبارها حربًا على الهوية، أو رجالات صناعة الجعة نفسها باعتباره مشهدًا – إذا ما رآه من خارجه – من باحة مستشفى للمجانين.. إلا أن (صياعة) الشاعر الذي لا يهوى (الفرهدة) – إلا فيما هو لفظي في (رآيمهات) قصائده، أو كما جاء في اعترافه المبطن، أن نصيبه من الثورة = رياضة الكراهية هي طق الحنّك، قد حذفتْ ذِكرهم – ضربة لازب – من القصيدة إما لدواعي أمنيّة أو لدواع (ليس للمعروف أن يُعّرف = ما تصدعوناش) .. كأسهل الطرق قاطبة للتملص من ثورة فاشلة قلبت بغم!

لا عجب أن يكون العنوان الذي اختار يّيتس لتلك المنّدبة القصيرة.. ندّامة على إفراطنا في الحديث! عن نفسي كنت لأضيف.. وشرب الجعة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد