default-avatar
عبد الرحمن الحديدي
default-avatarعبد الرحمن الحديدي

مقدمة

ثلاثة أشهر مرت على اندلاع الأزمة الخليجية في ظل وضع يتسم بالضبابية فلم تنجح الدول الأعضاء ولا الوساطات الدولية في التوصل لحل يرضي الجميع، فرغم تدخل أطراف دولية عديدة في سبيل إنهاء الأزمة أو على الأقل خفض التصعيد وأول هذه الوساطات هي أمير الكويت الشيخ «صباح الأحمد» بمعاونة وزير الخارجية الأمريكي «ريكس تيلرسون» فلم تؤت هذه الوساطة ثمارها أو بالأحرى لم تفصح عن حل مرتقب للأزمة الراهنة التي من المحتمل أن تستمر في التأجج في ظل تصاعد اللهجة العدوانية لمسؤولي دول الأزمة.

من الصعب التنبؤ بوجود حل للأزمة في المدى القريب فمن المرجح استدامة هذه الأزمة فترةً أطول في ظل الملاسنات الكلامية بين الدول المتصارعة بالإضافة إلى وجود حلفاء للطرفين يقومون بدعمهم على كافة المستويات وهذا ما يعتبره مراقبون أداة فعالة لاستغلال الصراع من قبل هذه الدول والمساهمة في تأجيجه.

تمهيد

تُعد الأزمة الراهنة هي أكبر المشكلات التي واجهت المجلس منذ إنشائه عام 1982 وأكثرها تعقيدًا، فرغم وجود العديد من الخلافات المتعاقبة بين الدول الأعضاء بالإضافة إلى الصعاب التي واجهت المجلس إبان احتلال العراق للكويت عام 1990 مرورًا بأزمة سحب السفراء عام 2013 إلا أن كل هذه الصعاب لم ترتق لمستوى هذه الأزمة من حيث كثرة تعقيداتها وتشابك الأطراف الفاعلة في الأزمة مع حلفائهم الدوليين واستمرار هذه الأزمة أعاد رسم خريطة التحالفات في المنطقة.

أولًا: إيران

بوسعنا تسميتها المستفيد الأكبر من الأزمة فقد استغلت إيران توتر العلاقات بين أعضاء المجلس ودفعت قطر إلى جانبها ولهذا تأثير كبير على دول المجلس الأخرى أمثال الكويت وعمان التي بالطبع ستتخوف مما يسميه البعض مساعي السعودية لفرض الوصاية السياسية على دول المجلس كافة، فهذا سيدفعهم إلى إيجاد بديل لهم وهذا البديل من المرجح أن يكون إيران بوصفها دولة قائدة للمنطقة بديلة للسعودية فبعد سعي السعودية لتشكيل تحالف قوي يضم القوى السنية في المنطقة لمواجهة ما تسميه الخطر الإيراني أصبحت السعودية في موقف المتفرج على تحالفها السني الذي دُفنت فكرته قبل أن تُولد.

ثانيًا: تركيا

تُعتبر علاقة قطر بتركيا – التي أقل ما توصف به أنها وطيدة – قد شهدت تفهمًا أكبر بعد الأزمة الخليجية ووقوف تركيا بجانب قطر ومساندتها سياسيًا ودوليًا، ناهيك عن إمدادها بكافة لوازم الحياة ابتداءً من المواد الغذائية فهذا من شأنه أن يقوي تحالفًا كان قائمًا بالأساس.

لم تكتفِ تركيا بهذا وحسب بل وقعت أنقرة مع الدوحة اتفاقًا بشأن إرسال قوات تركيا لدى قطر في إطار التعاون المشترك بين البلدين في مجال الدفاع وتأكيدًا لسياسة أنقرة المتفهمة لموقف الدوحة في أزمتها الأخيرة.

ثالثًا: الموقف الأمريكي تجاه الأزمة

مما لا شك فيه أن زيارة الرئيس ترامب للمنطقة في الفترة الأخيرة ساهمت في إشعال الأزمة وبحسب مراقبين فإن زيارته أعطت الضوء الأخضر للزعماء العرب لإعلان موقفهم العدائي تجاه قطر وعلى النقيض وزارتا الخارجية والدفاع الأمريكية اللتان أعلنتا موقف الحياد تجاه الأزمة لما تراه من مراعاة لمصالحها مع قطر.

ومن تحليلنا لموقف الوزارتين سنفهم موقفهم، فوزارة الدفاع أعلنت موقفها الداعم لقطر لوجود قاعدة «العديد» العسكرية في الدوحة وهي أكبر قاعدة عسكرية للولايات المتحدة خارج أراضيها وازدادت الحاجة إليها في الفترة الأخيرة لتكثيف الولايات المتحدة حربها ضد الإرهاب بالإضافة إلى ضم القاعدة للمقر المتقدم للقيادة المركزية للعمليات الخاصة الأمريكية والقيادة المركزية لقوات الطيران الأمريكية مما يجعل إمكانية إغلاق القاعدة أو حتى نقلها إلى دولة من دول الجوار أمرًا صعبًا للغاية على الأقل في المدى القريب.

وأما موقف وزارة الخارجية تجاه الدوحة فهو علاقة مصلحية لما تمثله قطر – بحسب خبراء – من حلقة وصل بين بعض الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق وبين الولايات المتحدة، وبالتالي فإن تضارب آراء المؤسسات الأمريكية إنما يعكس دور الولايات المتحدة في المنطقة الآخذ بطريقة مراقبته للمشكلات وليست حلها.

تـــأثـــيــرات الأزمة

1- المخاطر الاقتصادية

إن الأزمة الخليجية ليست أزمة اقتصادية على الإطلاق بقدر ما هي أزمة سياسات وأزمة عدم ثقة في الأساس، فضغط الرباعي العربي على الدوحة يأتي في محاولة منها لخنق قطر وشل قدرتها على الحركة خارج أراضيها فدول المقاطعة تستخدم الاقتصاد في محاولة منها لإجبار الدوحة على اتباع سياستها ووقف دعمها للإرهاب حسب زعمهم، وبالفعل لم يمضِ شهر على الأزمة وأعلن مؤشر سوق الأسهم «ستاندرد آند بورز» خفض التصنيف الائتماني لدولة قطر من AA إلى AA-، فبالرغم من كونه تراجعًا طفيفًا إلا أن آثاره سلبية على المدى البعيد فقبلها قام مؤشر «موديز» بتخفيض مرتبة قطر السيادية من AA3 إلى AA2 بسبب تصاعد حجم المديونية الخارجية بالإضافة إلى فقدان الريال القطرى نحو 10% من قيمته.

أتت سياسة الرباعي العربي أيضًا بنتائج عكسية سلبية على اقتصادات بلدانهم حيث أكدت وكالة «بلومبرج» المتخصصة في الاقتصاد أن استثمارات الدول الخليجية التي قررت قطع العلاقات مع قطر تواجه مشكلة في السوق القطرية بسبب التعليمات الموجهة لهم من بلدانهم وتضم لائحة الخاسرين شركة «درك آند سكل» العالمية والتي تتخذ من دبي مركزًا لها حيث فقدت أكثر من 10% من قيمتها السوقية، لكن في رأيي هذه الخسارة لا تهم الدول المقاطعة فأي سياسة لابد أن يكون لها ضريبة حتى تنجح وتؤتي ثمارها.

2- الأمن الجماعي الخليجي

أعادت الأزمة الراهنة صياغة مفهوم الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي، فإحساس عدم الثقة بات يتخلل دول المجلس فكل دولة انطلقت في رحلة البحث عن حليف انطلاقًا من قطر التي بصدد إنشاء قاعدة عسكرية تركية على أراضيها حيث لم تكتفِ بوجود القاعدة الأمريكية فموقف واشنطن مقلق بالنسبة للدوحة بسبب موقفها المتأرجح من الأزمة منذ بدايتها.

السعودية هي الأخرى بدأت تعيد حساباتها تجاه إيران والقوى الشيعية عامةً وخفضت من لهجة العداء لها، فمؤخرًا استضافت السعودية رجل الدين الشيعي «مقتضى الصدر» وهذه الزيارة بحسب مراقبين هي محاولة لفتح صفحة جديدة مع الشيعة وهذا من شأنه أن يزعج دولًا أخرى بمجلس التعاون منها الكويت التي تتهم إيران وحزب الله باحتضان خلايا إرهابية على أراضيها ودعمهم بالمال والسلاح. هكذا تشتت الأمن الجماعي لدول المجلس الذي كانت بداية أهداف إنشائهم إياه هو تعاون الدول سياسيًا واقتصاديًا وصولًا إلى الوحدة فجاءت هذه الأزمة لتعصف بهدفهم هذا.

3- التجارة بين الدول الأعضاء

ساهمت الأزمة في تخفيض نسبة التجارة البينية بين دول المجلس التي هي في الأساس منخفضة حتى قبل بدء الأزمة حيث تصل نسبتها إلى 10% فقط بالمقارنة بنسبتها مع الاتحاد الأوروبي 60% ودول النافتا 35%، وبالإمكان القول إن الأزمة الراهنة ربما تعصف بكل أشكال التعاون التجاري بينهم التي هي في الأساس ضعيفة.

4- قضايا أخرى ستؤثر الأزمة عليها بالسلب

كالعملة الخليجية الموحدة وضريبة القيمة المضافة لدول مجلس التعاون بالإضافة إلى القطار الخليجي ناهيك عن مخاطرها الكارثية على الاستثمار.

الآفــاق الــمــســتـقـبـلــية للأزمــة

أثارت الأزمة منذ بدايتها عدة تساؤلات وإجابتها مرهونة بمدى وجود قدر ولو ضئيل من التفاهم بين دول المقاطعة من جهة وقطر من جهة أخرى، وأولها: هل بإمكاننا صياغة حل يرضي جميع الأطراف؟ حيث تقودنا المفاوضات إلى وجود حل يضمن مصالح كل طرف على حدة حيث يمكن لقطر إبقاء علاقتها مع الإسلام السياسي – التي ترى مصلحتها معه – بشرط عدم التدخل في شئون الرباعي العربي وعدم إخلال هذا الدعم بأمن دول المنطقة، إلا أن إمكانية صياغة مثل هذا الاتفاق غير مطروحة في الوقت الحالي لما سببته هذه الأزمة من أزمات تبعتها وأخطرها هي أزمة انعدام الثقة.

التساؤل الثاني وهو هل قطر قادرة على الصمود أمام المقاطعة؟ وهذا السؤال قد أجاب عليه معهد «BMI research» للبحوث وأفاد أن قطر يمكنها الصمود في وجه الضغوط السياسية لما تمتلكه من مصادر للقوة الاقتصادية والتحالفات الدولية الهائلة، وهذا يطرح إشكالية جدوى الضغط أمام دول المقاطعة خصوصًا في ظل سعيهم لتحقيق أكبر مكاسب في المدى القريب.

خــاتــمــة

إن التوصل لاتفاق نهائي للأزمة يضمن لكل طرف مصالحه هو الحل الأمثل للوضع الراهن، فوجود هذه الأزمة في إقليم مضطرب كهذا من شأنه أن يعصف بفكرة وجود تكتل سياسي واقتصادي بين دول الخليج كان من المفترض أن يصل إلى الوحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك