نستكمل استعراض الأمثلة الواقعية والسينمائية للفساد والإجرام.

حتى الحملات الانتخابية، لا تخلو من الفساد المستفحل، والمتمثل بالوعود الانتخابية الكاذبة، والسعي الحميم بعد النجاح لحصد المكاسب الشخصية، والمناطقية بعيدًا عن الحس الوطني والقومي، وقد عبّر الكاتب المبدع «ماركيز» عن ذلك ببلاغة وسخرية لاذعة في الفقرة التالية:

«قدم السيناتور لحديثه باقتباسين باللغة اللاتينية حتى يعطي وقتًا أطول لرجاله الذين ينصبون ديكورات المهزلة، ثم قدم وعودًا لمستمعيه بأنه سيجلب لهم آلات خاصة لإسقاط المطر، وجهازًا متنقلًا يجعل الحيوانات عشارًا فتلد، وتتكاثر الثروة الحيوانية، وزيوت السعادة والخصب، التي تجعل الخضروات تنمو في الأرض الصخرية، وشتل البنفسج، لتوضع تحت النوافذ». وعندما رأى أن عالمه الخيالي قد اكتمل، أشار إليه: «وهكذا ستكون الأمور أيها السيدات والسادة، انظروا هكذا سنكون».. وحين سمع التصفيق النهائي، رفع رأسه ونظر بخيلاء، ثم قال في نفسه «اللعنة على هذه المهارة السياسية»!

وفيما هو يتكلم كان مساعدوه يلقون في الهواء بمجموعات من الطيور المصنوعة من الورق، وكأنما دبت الحياة في المخلوقات الصناعية فتطير حول المنصة الخشبية، ثم تتجه إلى البحر، وفي نفس الوقت كان رجال آخرين ينقلون أشجارًا صناعية من العربات، ويزرعونها في التربة الصخرية، خلف الجمع المحتشد، حيث أقاموا واجهة كرتون، رسموا عليها بيوتًا من الطوب الأحمر، لها نوافذ زجاجية، وبهذه الواجهة «المصطنعة» غطوا أكواخ الحياة الحقيقية». اقتباس عن قصة قصيرة لـ«ماركيز» نشرها عام 1970 بعنوان «الموت رابض وراء الحب».

إذًا الفساد ظاهرة عالمية متفشية لا ينجو منها بلد، ولكن الفرق يكمن في وجود مؤسسات جريئة قادرة على تقديم الفاسدين للمحاكم، وفضحهم مع عرض الأدلة الدامغة على تورطهم، مهما علا شأنهم، كما حدث مع «كلينتون، وسوهارتو، وبنازير بوتو، وأنور إسماعيل»، حيث ثم التشهير بهم، وبسلوكهم المخزي، بالمقابل يتحول الفساد إلى كلمة فضفاضة، وكائن شبحي، يكثر الحديث عنه، وتنسب له مسئولية انهيار الاقتصاد الوطني بدولنا العربية عمومًا، وحيث نرى آثاره المدمرة مثل الشمس الساطعة بوسط النهار، ويبقى غامضًا محاطًا بالأسرار، والدهاليز السرية، وكأنه متاهة غامضة، ويتمثل جليًّا بوجوه عديدة من الإهمال، والتسيّب، والتهرّب من المسئولية عن المديونية الهائلة، وفشل المشاريع، وحدوث الكوارث، كما يظهر جليًّا بأشكال الثراء الفاحش، في بلد محدود الموارد غارق بالمديونية المتضخمة، كما يظهر تأثيره غير المباشر بتدني مستويات الأداء، والإنجاز بالرغم من وجود كفاءات وخبرات، كأنه تطبيق معكوس لمفهوم «وضع الشخص المناسب في المكان المناسب»، وهناك نوع من الفساد المتخفي الذي تكشفه الكوارث الطبيعية؛ كالزلازل، والسيول المتدفقة من حيث ضعف إنشائية البناء والعمران، مما يؤدي لتصدع وانهيار الأبنية والمنازل، وكما حدث مؤخرًا بعاصمة عربية، حيث أدت الأمطار الرعدية الغزيرة، وخلال أقل من ساعة لغرق الكثير من المناطق المنخفضة، والأنفاق، والمنازل الأرضية، ويكمن أحد الأسباب للإهمال المزمن لتنظيف المسارب المائية، وقلة الاستعداد، والاهتمام بالصيانة، وهذا وجه خفي خطير من أوجه الفساد المتعددة.

كما تتجلى مظاهر المحسوبية، والشللية، والواسطة في معظم المؤسسات، وتتوغل حالات «التسلق الوظيفي» عندما يتجاوز شخص ما رفاقه الأقدم، والأكثر خبرة وكفاءة باستخدام «كرت غوار» الشهير، ويزيد الخوف وينعدم النقد، إذا ما تمت معاقبة رئيس ديوان رقابي هام، بنقله لوظيفة عادية روتينية؛ لأنه تجرأ وكشف النقاب عن جدوى وعدد سفريات «وزير ما»، وتكاليف المياومات العالية.

كيف يمكن أن نفهم تدني ربحية الكثير من المؤسسات، والشركات الوطنية المساهمة، فيما نلاحظ الرواتب  والمصاريف الباهظة المخصصة لهيئة المديرين ومجالس الإدارات، وكيف يقبل رئيس مؤسسة «مساهمة» فاشلة تدني أرباحها سنة بعد سنة، أن يتجاوز راتبه آلاف الدنانير، فيما تمتنع هذه المؤسسة «المخصخصة» كمثال عن توزيع الأرباح السنوية للمساهمين؟، ناهيك عن الاستنزاف الكبير المستمر لأموال المؤسسة المتمثل في حالات الصرف الباذخ على الكماليات، ومياومات السفر، والتنقلات، ثم على الاجتماعات، والمؤتمرات، والمعارض، والإعلانات… إلخ، وكلها مصادر هدر غير مقنعة، فقد ثبت إحصائيًّا في بعض الشركات الأمريكية الناجحة أن التصميم الناجح لزاوية جذابة في الإنترنت، أو الفيسبوك يغني تمامًا عن تكاليف السفر لعدة مرات، حيث يمكن عرض منتجات وخدمات الشركة، وتفعيل إجراءات التسويق.

لقد أرسلت اليابان في بداية نهضتها الصناعية «وكذلك الصين لاحقًا» المئات من خيرة شبابها للغرب؛ بغرض التعلم، واكتساب الخبرات الهندسية، والصناعية المختلفة، ثم غادروا، وحوّلوا اليابان لمارد اقتصادي- تكنولوجي، بالمقابل ماذا فعل معظم العرب وهم يسافرون منذ أكثر من نصف قرن لشتى أطراف المعمورة؟ كما يتخرجون بكثافة في جامعات، وكليات، ومعاهد الغرب والشرق، على حد سواء! يكمن الفرق الواضح في أنه كان يطلب من الياباني أن يقدم تقريرًا ومردودًا علميًّا ملائمًا لما اكتسبه من علم ومعرفة وخيرة، لقد كان يتجول وهمه الأول نقل المعرفة والخبرة، حاملًا كاميرا صغيرة يجسد بواسطتها كل ما يشاهده، حيث لم تكن أجهزة الموبايل قد صُنعت، كما أن بعضهم كان يتقن مهارات الرسم الهندسي السريع للماكينات، والأجهزة الدقيقة، متسلحًا بذاكرة صورية لمّاحة، حتى إن بعض المصانع السويسرية قررت منع اليابانيين من دخولها، بعد أن سرقوا الكثير من أسرار صناعة الساعات وغيرها.

كان المطلوب من الياباني أن لا يكتفي بكتابة تقرير لا يقرؤه أحد، وإنما بالتحديد نقل المعرفة، والخبرة، والانطباع، وأذكر على سبيل المثال أنني لم أفلح بتحقيق ذلك أثناء عملي مستشارًا في إحدى الوزارات الهامة، حيث لاحظت أن معظم المديرين المحظوظين، الذين سافروا لأمريكا والصين يتبادلون ذكريات زياراتهم لأماكن التسويق الرخيصة نسبيًا، والتي بدت أولوية بالنسبة لهم.

ومن خبرتي الشخصية سأقدم مثالًا متواضعًا على دور «سماسرة التدريب والاستشارات» المتزايد بتعزيز الفساد في الشركات والمؤسسات، فقد وضعتُ إعلانًا لافتًا «تجريبيًّا» بإحدى الصحف اليومية، واسعة الانتشار لبيان إمكانات تقديم التدريب والاستشارات في مجالات التميز والجودة مباشرة للمهتمين، وبأسعار معتدلة وملائمة للطرفين، وبعيدًا عن عمولات ووساطة مكاتب التدريب والاستشارات، ولكن هذا الإعلان «الملفت للنظر» بالصفحة الاقتصادية، لم يلق اهتمام أحد من المسئولين بهذه الشركات، حيث يفضلون التعامل مع «الشركات المعنية» للأسباب الموضحة أعلاه.

كيف نستطيع أن نفهم أن يصبح شخص أقل خبرة بـ10 سنوات أو حتى بخمس مسئولًا عن شخص آخر أقدم منه وأكثر خبرة وتعليمًا وكفاءة لأسباب ليس لها علاقة بالمنطق؟

لقد تمت المناداة منذ سنوات بوحدة الانتماء الوطني بعيدًا عن الجهوية والإقليمية، كما طال الحديث عن المواطن الصالح من شتى الأصول والمنابت، فأين هذا حقًا على أرض الواقع؟

إذًا الفساد ظاهرة ملموسة يتحدث عنها الجميع مثل مستوى السكر بفنجان الشاي أو القهوة، فلا ضرورة لكي تظهر للعيان، وإنما تظهر تأثيراتها بوضوح، والمطلوب تعقبها وكشفها ومقاومتها، فالشخص المتهم بالفساد يجب أن لا ينال البراءة ببساطة لاختفاء الأدلة الظاهرة، بل يجب التقصي والبحث بالحيثيات والقرائن والبيانات لاكتشاف الأدلة، ومتابعتها ضمن الشبكة العنكبوتية الخفية للفساد.

وعندما يرى المواطن أن مكافحة الفساد أصبحت شيئًا ملموسًا وعملًا مضنيًا ليس بيروقراطيًّا ورقيًّا، وأن هناك بالفعل مشبوهين يجرون للمحاكم ويتم توقيفهم، يشعر بالثقة والراحة النفسية، كما تتشكل حينئذ نواة من الخوف من العقاب، ورادع قانوني، فيفكر الفاسد ألف مرة قبل إقدامه على ممارسة الفساد بشتى صوره «الظاهرة والخفية»، وعندما يتم التشهير بالفاسدين ولا يشار لهم بالبنان على أنهم «فهلويون وشطار وأذكياء»، يصبح الفاسد حينئذ كالمجذوم يبتعد الجميع عنه، وعن ذريته وأصدقائه.

أما الأمثلة فهي كثيرة ولافتة: فالطبيب الذي يطلب مبالغ طائلة، مقابل عملية جراحية عادية، وربما لا ضرورة لها وفاشلة هو طبيب فاسد، وكذلك الوزير والمدير العام الذي يستغل منصبه ليصبح ثريًا مع أنه ربما بدأ عمله وليس في جعبته الكثير من الأموال، والودائع، والاستثمارات، فلماذا لا يفعل مشرع قانون «من أين لك هذا»؟ وكيف يتمكن موظف حكومي محدود الدخل من بناء فيلا باهظة التكاليف أو قصر باذخ؟ كما المهندس الذي يتغاضى عن ضعف الخرسانة والتسليح، ويهمل بمتابعة مهامه الإشرافية، ويتركها للعمال والمراقبين فهو مهندس فاسد بامتياز، أما التاجر الذي يبيع سلعًا قديمة مغشوشة، ويرفع الأسعار مستغلًا الوضع السوقي ويحتكر السلع، فهو فاسد بجدارة حتى لو سعى لبناء مسجد فاخر بالعاصمة، وحتى الباحث الذي يسرق جهود الآخرين الفكرية، والبحثية، والعلمية، وينسبها لنفسه فهو فاسد، وكذلك كاتب المقال المرتشي لتمويه الحقائق، وتلميع المسئولين، وتضليل الرأي العام والخاص، أو ذاك الآخر الذي يشتري الشهادات العليا للحصول على المناصب، والوظائف القيادية التي لا يستحقها، وهكذا دواليك قس على ذلك كافة الممارسات الإعلامية، والأكاديمية، والمهنية، والسلوكية التي تسعى للتضليل والغش والخداع، حتى نصل لفساد المثقفين والإعلاميين الذين يمارسون النفاق الفكري، والتضليل الثقافي، والتزلف مقابل إغداق الأموال، وشراء الذمم، والمغريات المادية المتنوعة.

وقد أعجبتني بهذا السياق فقرة بالفيسبوك كتبها الباحث «كامل الصباح» هذا نصها:

«معضلة كثير من كُتابنا وصحافيّنا تكمن في «توثين» الفكرة أو الرأي، ومن ثَمَّ الإغراق في البحث عن الحقائق والوقائع، التي تثبت مشروعية الفكرة الوثن. ولكن المعضلة تتفاقم أكثر فأكثر عند لجوء هذا الكاتب أو ذاك الصحافي إلى لي أعناق الحقائق، وإعادة إنتاجها، وربما تزييفها؛ كي تلائم الفكرة الوثن وهو ما يفضي بالضرورة إلى تزييف الوعي واستحمار الجمهور».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد