بعد الهجوم الإرهابي على مسجد الروضة في شبه جزيرة سيناء المصرية، والذي كان الأكثر دموية في تاريخ مصر الحديث، توجهت أصابع الاتهام لتحمّل جهات مختلفة ومتباينة مسؤولية مقتل أكثر من 300 شخص وإصابة عشرات آخرين.

ومن اللافت أن العمل الإرهابي استهدف هذه المرة – وعلى غير العادة – مدنيين كانوا يؤدون صلاة الجمعة، في منطقة لم تطلها مخالب الإرهاب طوال السنوات الماضية، خلافًا للهجمات الإرهابية المعتادة في سيناء، والتي لطالما استهدفت عناصر الجيش والشرطة المصريين.

وإذ يقول البعض إن الهجمة استهدفت مسجدًا صوفيًا مستندين إلى تهديدات سابقة من قبل بعض القيادات الإسلامية لأهل هذا النهج وتكفيرهم، نقول لهم إن الصوفية أو التصوف ليست طائفة منفصلة عن السنة، إنما هي طريقة إسلامية، تبتعد عن السياسة وتركز تعاليمها وممارساتها بالتقرب من الله دون انخراط في العمل السياسي الدنيوي. ويتبع هذا النهج الكثير من أبناء سيناء، والكثير من المراجع الإسلامية السنية، وعلى رأسهم شيخ الأزهر.

وبالطبع ليس مستبعدًا أن تستهدفهم التنظيمات الإرهابية في سيناء، ولكن المستبعد أن ترتكب بهم مجزرة بهذا القدر من الوحشية، الأمر الذي سيؤدي حتمًا لفقدان هذه الجماعات الإرهابية وأولها «داعش»، لقاعدة شعبية واسعة في منطقة تسعى لتعزيز نفوذها بها.

أول التكهنات والاتهامات، حمّلت «داعش» مسؤولية المجزرة، رغم أن التنظيم الإرهابي الذي اعتاد على التباهي بجرائمه الوحشية في دول العالم المختلفة – بغض النظر عن حقيقة مسؤوليته عنها – لم يعلن مسؤوليته عن مجزرة الروضة، كما كان الأمر عند استهداف الكنائس المصرية أو مواقع الجيش والشرطة.

وهذه المفارقة تثير التساؤلات، هل يقف تنظيم «الدولة» حقًا وراء هذه الجريمة الدموية؟! وإذا كان هو المسؤول عنها، فما أهدافه من قتل هذا العدد من مسلمي المنطقة، الأمر الذي سيقلل حتمًا من شعبيته في أوساط الميالين إلى عقيدته وفكره من أبناء هذه المنطقة والنهج، وهذا سيعدمه وقود آلته من المجندين المحتملين.

ومن هذا المنطلق، ارتفعت أصابع أخرى لتوجه الاتهامات لإيران، وتحملها مسؤولية الهجمة، ومرة أخرى يبرز السؤال الحاسم، ما مصلحة إيران من استهداف مدنيين مصريين؟ وهل فعلًا بلغ كرهها الطائفي الحد الذي يدفعها لإبادة المئات دون أي فائدة فعلية لمخططاتها.

من المعروف عن إيران أنها دولة براغماتية تستخدم العقيدة الشيعية لتغذية آلتها التوسعية في البلدان العربية، ولكن نفوذها وتحركاتها اقتصرت على البلدان ذات السكان من الطائفة الشيعية، من العراق فلبنان فسوريا فاليمن وصولًا إلى البحرين. ولكن لم نسمع مسبقًا بأن شيعة مصر يقودون حراكًا سياسيًا مدعومًا من إيران، كما أن وجود أبناء الطائفة الشيعية في مصر يقتصر بالأساس على منطقة الصعيد، وهي تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح المجزرة الوحشية، وليس لهم في البلاد أي نشاط يذكر. كما أن شبه جزيرة سيناء، تشهد وجودًا كثيفًا للجماعات المسلحة السنية، من تنظيم «الدولة» وفرعها «ولاية سيناء»، مرورًا بتنظيم «القاعدة»، وصولًا إلى جماعة «الإخوان المسلمين»، ولو تواجد مسلحون شيعة في المنطقة، لاشتعل التناحر بينهم وبين الجماعات السنية.

لذا، من المستبعد أن يكون لإيران أي دور في مجزرة الروضة، وهذا الاستبعاد لا يأتي من باب براءة أفعالها، بل من باب أنها في كل تحركاتها ومكائدها هدفت لتحقيق منافع لها على أرض الواقع، الأمر الذي لا ينطبق على هذا العمل الإرهابي. كما أن طهران تسجل تقاربًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة مع القاهرة، وخاصة فيما يتعلق بمواقفهما من الصراع السوري، وهي لن تغامر بفقدان حليف مستقبلي كبير مثل مصر.

هذه العوامل تظهر أن إيران وأتباعها لن يحصدوا أي فائدة من قتل المدنيين في مصر، سوى أن تزيد كراهية العرب لها وتكاتفهم لمواجهة زحفها. وإيران يا سادة ليست بهذا الغباء.

بعد تفنيد نظريات تورط «داعش» و«القاعدة» و«الإخوان» وإيران في ارتكاب المذبحة، يبقى السؤال مفتوحًا، من المستفيد والمنتفع الحقيقي من هذه العملية وتبعاتها.

ولذا يستوجب معرفة تبعاتها، وهي: تحويل سيناء إلى ساحة لعملية مكافحة إرهاب واسعة تشنها القوات المصرية – في إطار استخدام «القوة الغاشمة» و«الانتقام للشهداء» وتلميع صورة السلطة وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي – على كل حامل سلاح في شبه الجزيرة المصرية، دون النظر إلى عقيدته وأهدافه، الأمر الذي سيحول المنطقة إلى مستنقع مواجهات مسلحة تستمر سنوات وسنوات.

ومن المؤكد أن هذه المواجهات المسلحة لن تطول أمن الجارة إسرائيل، وقد اتضح هذا الأمر على مدى السنوات القليلة الأخيرة، إذ إنه رغم تغلغل الإرهاب في شبه الجزيرة المصرية، وتنفيذ العشرات من العمليات، إلا أن طلقة واحدة لم تصوب تجاه حدود دولة الاحتلال.

انفجار الوضع في سيناء لن يغير هذه المعادلة، ومن المؤكد أن إسرائيل ستظل في مأمن من سلاح الجماعات الإرهابية، كما هي في مأمن من سلاح أجهزة الأمن المصرية.

إلا أن اشتعال سيناء سيحول دون فتح المتنفس والمنفذ الوحيد لسكان قطاع غزة الفلسطيني، وهو معبر رفح، الذي لطالما تذرعت السلطات المصرية عند غلقه بالوضع الأمني ومحاربة الإرهاب. وهذا بدوره سيقود إلى زعزعة المصالحة الفلسطينية الوليدة، وخنقها في مهدها، ذلك أن الحصار المفروض على القطاع لن يفك فعليًا إلا بإعادة فتح المعابر، والمعبر الوحيد غير الخاضع بشكل مباشر لسيطرة إسرائيل، هو معبر رفح المذكور.

والمصالحة الفلسطينية لغير العارفين، منذ بدء الحديث عنها، كانت محط استهداف من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي دعت وطالبت وحاولت في السر والعلن إفشالها، بل إن الولايات الأمريكية ضغطت وهددت لوقف عجلة تقدمها.

ويبدو أن هذا الأمر سيتحقق لا محالة في الأيام والأسابيع القادمة، حين يدرك سكان القطاع المحاصر أن قطاعهم سيبقى سجنًا كبيرًا للفلسطينيين، وأن المصالحة شكلية، ولن تفك حصارهم ولن تفتح معابرهم، وبالتالي لن تحقق لهم أي منافع سياسية أو اقتصادية أو وطنية.

وهنا، نعود ونتساءل: من المستفيد فعلًا من مجزرة الروضة الإرهابية؟ الجماعات الإرهابية أم إيران أم إسرائيل؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد