سينما حقيقية

السينما ليست كما يعرف عنها الكثيرون أنها أمر عبثي مضيع للوقت لا أكثر، ربما يصفها بعضهم بأنها فسق لا طائل منه، بل ربما أتفق مع الأمرين أحيانًا، وهنا لا بد من الوقوف عند ما يستحق وما لا يستحق.

فالسينما الحقيقية تعبُر داخل المُشاهد تُمزِّقُه وتُسعده، وتعلمه وتبكيه وتهذبه، بل يبقى أثرها لسنوات، فالحقيقي منها يكن مرآة للواقع يجسده بأسلوب فني بديع، لكن عليك فقط أن تنتقي العمل الجيد.

قد يعيب بعضهم على ما يُنفَق من مال على مشاهير الفن في العالم، ويقارن بعضهم بين ما يستحقه صاحب العمل الحقيقي من حفاوة وما يناله الممثل، فمثلًا أبطال الحروب الحقيقيين بالطبع لم ينالوا من المجد والشهرة والمال ما يناله ممثل قام بدور بطل حرب، ولكن ورغم المبالغة في التمجيد للفنانين، فإن بعضهم يستحق كل الثناء والمجد والمال أيضًا، فيكفي أن يستطيع الفنان، وأعني هنا طاقم العمل بأكمله، أن يجعل مُشاهدًا في القرن 21 يعيش حياة بعض البشر في القرون الماضية، يعيشها وكأنه معهم يحمل هموهم ويسعد بأفراحهم، ويبكي ويضحك، وربما يعيش حالة التوجس والخوف كما يعيشها البطل، وربما أيضًا تُطلعُنا السينما على أبطال حقيقيين لم نكن لنعرفهم سوى عن طريق شاشات السينما.

من باب المعرفة

الزمان: منذ عام 1936 وحتى عام 1975م.

المكان: إسبانيا «الحرب الأهلية وما بعدها».

حيث كان الديكتاتور الجنرال «فرانشيسكو فرانكو» قد استولى على حكم إسبانيا بعد قيامه بانقلاب عسكري ساعده فيه هتلر وموسوليني، ودخلت إسبانيا منذ تلك اللحظة حقبة مظلمة من الحرب الأهلية والحكم البوليسي المستبد.

الزمان: عام 2015.

المكان: غرفتي ومن أمام شاشة الحاسوب، وقد انتهيت وقتها من مشاهدة عمل سينمائي ظل صامدًا بأحداثه وبموسيقاه الفريدة، وبأبطاله في ذاكرتي حتى الآن، وأرجح أن يبقى كذلك طويلًا وأبدًا.

القصة

متاهة بان «Pan’s Labyrinth»

ذاكرتي تشبه ذاكرة السمك، لا أستطيع أن أتذكر الأسماء لا أهتم كثيرًا بذلك لكن من الواجب والأخلاق أن نُرجِع الفضل إلى صاحبه، لذلك أسعى دائمًا لمعرفة اسم المخرج والكاتب وذكرهم هنا واجب، فهذا العمل العظيم كان من إخراج وكتابة الكاتب المبدع المكسيكي ديل تورو جوميز.

أما عن الفيلم فهو يأخذنا بين عالمين؛ عالم بغيض صنعته الحرب الأهلية، وقائد عسكري قاس تابع للديكتاتور فرانكو ويسمى «فيدال».

والآخر خيالي نسجته طفلة جميلة «أوفيليا» ببراءتها وذكائها هربًا من تلك الحياة الوحشية المرهقة.

ريفٌ متوتر كان من الممكن أن يكون أفضل من ذلك، لو لم تطأه أقدام الحرب.

مع موسيقى في الخلفية تكاد أن تتحدث بل تبكي، تنتقل «أوفيليا» وكتبها وعالمها الخيالي مع والدتها إلى ريف إسبانيا حيث الحرب والقتال والدماء، وقساوة زوج والدتها العسكري «فيدال» وجيشه، وكيف «لأوفيليا» أن تتعايش مع كل تلك الصراعات  والوحشية سوى أن تجد لنفسها عالمًا موازيًا خياليًّا تتحدث فيه مع مخلوقات غريبة، ويخال لها أنها لا بد أن تُنفِذ مَهامًا، فتصنع بابًا خياليًّا وتذهب معهم ليلًا إلى المتاهة هربًا من جحيم الواقع.

ما تتركه السينما

ربما لو كنت ممن تنظر إلى السينما على أنها محض عمل ترفيهي، ستصاب بالملل أو الضجر لكن إن كنت تؤمن بالسينما الحقيقية ستعيش مع الطفلة ووالدتها وخادمتهم معاناتهم وقصصهم المختلقة مشفقًا عليهم، ولاعنًا الحروب بكل أشكالها وبكل ما تحمل من ويلات وخيبات أمل، حتى لقائدي الحروب أنفسهم.

أقول إنه لولا عمل سينمائي حقيقي عظيم مثل هذا ما كان لمثلي وللكثير أن يعرف ويعيش تلك المعاني الإنسانية المختلفة، الخوف والظلم والأمل والثورة والحب والكراهية والهروب للخيال، التاريخ والسينما ليسا لنحفظهما أو نتسلى بهما فقط، بل لنشعر ونضحك ونحزن ونتعلم منهما، لذلك أرى أن مثل تلك الأعمال ومثل هؤلاء الفنانين يستحقون الكثير من الحفاوة والتقدير، بل يخلدون في التاريخ مثلهم مثل الأبطال الحقيقيين؛ فهم من أشاروا إليهم فعرفناهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد