من المتمنيات التي أحملها منذ درست تاريخ حركات التحرر العربي، أن أطلع على تفاصيل معاهدات استقلال الدول التي حصلت على استقلالها عبر التفاوض بالأساس. على ماذا وقعت الوفود المفاوضة بالضبط لتقنع المستعمر بإصدار الأمر لجنوده بمغادرة أراضيهم ووضع السلطة في يد من فاوضها باسم أهل البلاد؟ والسؤال الأهم فعلًا والذي يمكننا أن نجد له جوابًا حقيقيًا في هذه البنود، هل الاستقلال الذي نحتفل به كل سنة بروح وطنية صادقة وعالية هو استقلال حقيقي أم جزئي لازلت إرادة القوة الإمبريالية حاضرة فيه وبقوة؟

النموذج لعلّة الاستقلال على الأرض الواقع يمكن أن نراه بوضوح في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية، والتي تعيش مؤخرًا موجة شبابية تطالب بالانعتاق المالي الكامل. القارة الأفريقية عانت لسنوات من الانقلابات العسكرية التي لم تكشف الكثير من تفاصيلها لليوم. وقد واجهت كل موجات تحررها الصادقة تواطؤًا خارجيًا على صناعها حتى لا يخرج زمام السلطة من بين يدي قوى بعينها. ولنا في نموذجي باتريك لوموبا شهيد التحرر بالكونغو والزعيم الخالد في تاريخ بوركينا فاسو طوماس سنكرة الذي وهب حياته ثمنًا لتمرده على رغبات القوى الإمبريالية ولسياسته في بناء وطنه على سواعد أبناءه، لنا فيهما لوحات حقيقية لفهم طبيعة الاستقلال الغير التام لمناطق كثيرة في العالم لليوم.

الباحث عن الاستقلال الحقيقي يمكن أن يرى غيابه في مستويات كثيرة. أولها الجانب الاقتصادي حيث لازلت بعض البلدان مرتبطة بمستعمرها السابق في كل جوانب إنتاجها، ولم تستطع لليوم أن تخرج من تحت جناحه لتحلق حيث مصلحة مواطنيها. التبعية نراها في الأنظمة التعليمية والهيمنة الثقافية حيث لغة العمل تخالف اللغات الرسمية والتعليم الجامعي يتم بلغة المستعمر حتى وإن لم تكن لها مكانة عالمية تجعل اعتمادها في مصلحة الأمة من الأساس. والمشكلة الحقيقية أن هذه العلاقة في هيمنة طرف فيها، تطال فكر المهيمن فتجعله يرى نفسه أعظم في كل شيء وربما هذا ما يفسر فشل جاليات الدول المتحصلة على استقلالها غير المكتمل غير قادرة على الاندماج في مجتمعات تراهم جزءًا من التابعين لها لا غير.

وباعتماد حسن النية في أهداف من نسميهم الحركات التحررية الوطنية، فلن نخوض في ما اكتسبه ممثلوها من الموافقة على استقلالات لا نعرف كم ندفع ثمنًا لها لليوم، فالمطلوب هو استثمار تركيزنا في معارك اليوم من أجل المرور نحو استقلال حقيقي يفصلنا تمامًا عن قوى استعمارية لم تخلف في معظمها غير الكثير من الفقر والألم وغياب الاستقرار. هذا الاستعمار الذي سمح لنفسه بتقسيم العالم العربي إلى دول هو من رسم حدودها، وجعل رسالته إقناعنا أننا قوميات محليّة يختلف كلّ منها عن الآخر. وهو نفسه من قرّر أن كيانًا يستحقّ أن يتوسط عالم العرب، وكرّس جهده ولايزال لدعم ممارساته الهمجيّة التي لا يمكن لمنصف ألّا يرى كمّ الجور الذي تحمله. وربّما للأسف نجح في تشكيل هوياتنا الهجينة التي لا تشبه أبدًا حقائق ماضينا.

الفكر الذي يسود بعض الأقوام بسموها على غيرها، في تناقض تام مع ما تقدمه عن نفسها كأمم تقدس حقوق الإنسان وتدافع عن الحرية والمساواة، هو أصل الصراعات التي لازلت تملأ أرجاء العالم لليوم. وما على المنتمي لدائرة الضعفاء غير أن ينشد الحرية الحقيقية قبل أي أمل في بناء المستقبل، فمصلحة الأمم تهم أهلها أولًا. والبداية من تحرير اقتصاداتنا التي اغرقناها في انفتاح نحن الخاسرون فيه في زمن باتت الدولة التي تحكم العالم تتراجع عن معاهدات التبادل الحر فيه. ثم من تحرير ثقافتنا بإعادة الإعتبار للعربية في الدول التي تعتمدها لغة رسمية على الورق، وفرض الأفضلية اللغوية للغات الأجنبية وفق قيمتها العلمية في العهد الذي نعيش فيه. نحن مطالبون بتجديد تحرّرنا لنستكمل استقلالنا بدل التنافس في تجميل صور تبعيّتنا للغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد