هناك مقولة قديمة تقول: إنه لا جديد تحت الشمس. بمعني أن كل كتاب أو رواية أو قصة ما هي إلا توليفة من أفكارٍ قديمة تم تركيبها على نمط آخر. وأن كل المشاكل الحديثة هي في أصلها مشاكل قديمة معروضة بشكل آخر تتم مواجهتها بنظريات تتشابة مع سابقاتها. حتى أن الحب الذي نواجهه يوميًا، أو نسمع عنه، هو نفسه الحب الذي قرأنا عنه في القصص الفرعونية، أو الروايات الأفلاطونية الرومانية القديمة، لكن بشكل مختلف وبطريقة عرض تختلف باختلاف الأشخاص لا أكثر.

فالحب هو أحد أهم المشاعر القائمة بين بني الإنسان، إن لم يكن أهمها وأعلاها شأنًا، فهو أساس كل العلاقات الجميلة وهو دافع البقاء واستقرار الحياة، فبدونه تزول العلاقات الطيبة وتتباعد المسافات بين القلوب، فلا يعرف المرء وصلًا لأم ولا حنانًا لأب، ولأن الحب هو سيد المشاعر وآسر الأرواح لا تصلح الحياة إلا به، لأنه إن انتفي الحب سيطر الكُره وعمت الفوضى. فلا صداقة ولا أخوة ولا قرابة ولا صلة رحم ولا ثقة في النفس ولا حتى تدين. ولكن ليست كل العلاقات تتلخص في هذه المفردة (الحب) لأنها بذاتها دلالة مختصِره ومقتصِره ومختزله للكثير من المشاعر؛ وذلك لتعدد منازل الإحساس. كما يعد الحب مرحلة بدائية وضعيفة من مراحل المشاعر المتقدمة والصعبة، ويقال أنها مأخوذة من كلمة حبه التي هي دلالة أصل النبات ولُبه. كما أنها الجزء الذي يدل على دقات القلب وارتفاع درجة الحرارة والاضطراب.

تختلف وتتعدد منازل المشاعر والإحساس بين منازل تسعه أولها التعلق ومعه الهوى الذي هو الميل الجسدي أو هو الإعجاب في المُجمل عند العرب. وكما قال الشاعر:
قَلبي رَهينٌ بالهوى المُقتَبِل — فالوَيلُ لي في الحبِّ إنْ لَم أعدل
أنا مُبتَلىً بِبَليتينِ مِن الهوى — شَوقٌ إلى الثاني وذِكرُ الأوَّل

والتعلق لا يقتصر فقط على المُحبين، فهو يشمل تعلق الطفل بأمه وتعلق الأصدقاء ببعضهم. لكن المعني بالحديث هنا هو تعلق المُحبين والذي من أسبابه في أحيانٍ كثيرة يكون الجفاف العاطفي أو الوحدة أو عدم الشعور بالأمان في المحيط الذي يحيى به الشخص، فيضطر إلى البحث عن ذلك الشعور وتحصيله بطريقة أخرى. فالتعلق هو درجة مضطربة من المشاعر من الصعب إدراكها أو ملاحظتها حتى من قبل من يشعر بها. فهو شعور متقلب من الممكن أن يزول أو يتطور. ومن التعلق ما يصل بصاحبه إلى مرحلة مرضية أو انهيار نفسي عند غياب من يتعلق به.

ـ الإرادة: هي ملكة الإختيار عن إتيان شيء معين أو الامتناع عنه، وتعرف الإرادة من منظور فلسفي بأنها شعور داخلي في قلب الإنسان يظهر للعلن عند يهم الشخص بفعل شيء معين، وأنها ذلك الشعور الذي يؤكد تحقيق ما عقد الشخص العزم على فعله وحث النفس على الوصول إليه.

ـ الصبابه: تعرف الصبابة بأنها القليل من الشيئ، فيقول العرب: لا يزال في الكأس صبابه، وهي حرارة ومكابدة المشاعر، ولا يعرف الشوق إلا من يكايده ولا الصبابة إلا من يعانيها (معجم الغني).
وكما قال الله تعالى على لسان رسوله يوسف عليه السلام في القرآن الكريم: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ. يوسف 33.
وكما قال المتنبي في قصيدة أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل:
وما صبابة مشتاق على أملٍ ***من اللقاء كمشتاق بلا أمل

الغرام: هو التعلق الذي لا خلاص منه وسُمي بذلك لدوامه ولزومه وثباته القوي في القلب والمشاعر بما لا يترك للشخص مجالًا للسيطرة على عواطفه تجاه شخص آخر، فيقبل عليه بولع شديد ويفقد الصبر على فراقه وكأنه أصبح يملكه، ولا يفرق حينها إن كان هناك تبادل للمشاعر من عدمه فمشاعر المغرم ثابته لا تتبدل، وكما قال الله تعالى في وصف عذاب جهنم قائلًا: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. الفرقان 64. أي أن عذاب جهنم بالنسبة لهم كان ملحًا ودائمًا ولازمًا.

المودة: هي سُكنة النفس وطمأنينتها وهي من الأمور التبادلية فلا تتحقق إلا بوقوع الفعل من كلا الطرفين، وهي أثر وحقيقة تظهر بعد الشعور، وكل حب وراءه مودة (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) فقد قال تعالى وجعل بينكم أي أنها متبادلة ولا يمكن أن تكون من طرف واحد، لذلك كانت لزامًا في الزواج.

الشغف/ الكلف. فالشغف هو غشاء لحمي رقيق يحيط بالقلب، في مرحلة تشبه الحبيب بأنه يحيط بالقلب الذي لا يرى منه إلا كل احتواء. فكل ما يريد المحب هو أن يرى محبوبه أو أن يسمع صوته، فإن انتفيا تذكر كل أقواله وأفعاله حتى رائحة عطره. وحينها يمنع الغشاء دخول أيًا كان إلا بإذنه ومعرفته. وقيل إن النساء فقط من يصلن إلى هذه المرحلة. فالرجل يتعداها لما بعدها. فبالنسبة للمرأة العالم كله كجثة هامدة إلا من تحب، وكل الناس غرباء إلا هو، فهو الأهل والأصدقاء وكل شيء يتلخص فيه. ولكني أرجح أن الرجل قد يصل إلى مرحلة الشغف أيضًا، لكن بنسبة أقل من المرأة وذلك لقول قيس:

وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حُب من سكن الديار
أما في قصة سيدنا يوسف عليه السلام قال الله تعالى: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِين. فقد غلب على قلبها وسكنه.

– العشق: هو الإفراط في الحب. والخوف على صاحبه منه؛ لأنه قد يؤدي بصاحبه إلى مرحلة الهزل والمرض والضعف حتى يرضى عنه عشيقه. فعشق أي أحب حبًا شديدًا وتعلق بشخص آخر، وهي استيلاء المحبوب على القلب، وتملكه منه، وتصنف ضمن مراحل الحب الأعمى الذي لا يترك لصاحبه مجال فيسيطر على الوجدان والعاطفة. ويستدل عليه بعدة أمور منها افتقاد الشخص الآخر والتخطيط للمستقبل معه أو له، المتعه خلال القيام بأي أنشطه تربطه بما يحب.
أما الإمام جلال الدين الرومي فقد قال بأن الروح وحدها هي ما تعرف ماهية العشق.

النجوى: و هي الحب الذي يصل إلى مرحلة النضج، ولكنها تقرن بمشاعر تُحزن، وتوجع المحبوب بمجرد التفكير فيمن يحب أو بانتفاء وجوده.

الشوق: وهي في وصفها مرحلة افتقاد الشيء، لكنها تصل بصاحبها إلى منزلة فقدان السيطرة على النفس من شدة الاشتياق، وهو من أشد المراحل التي تجلب الكآبة والوحده لمن يقع بها.

المتيم: التيم هو ذهاب العقل وفساده (معجم الرائد) تيمه الحب أي ذلله. وهو الشخص الذي استبد به الحب فذهب بعقله، ومنه أن يتعبده الهوى. وكما قال الشاعر:

أطيش من قلب فتى عاشق … متيم بات على موعد

وكما قال الشاعر::
وأنا المتيم في هواك مغيب … خدني إليك يا من هواه نجاتي

فحب الناس ملأ الكأس مهانة..والذل كل الذل جفاك ..
فهو يرى النجاه بكل ماتحمله من معنى في قرب من أحب.

– الهيام: من الإبل الهائمه أي الشاردة فإذا عطشت كان عطشها عظيم فتشرب حتى تنفجر. وإن كان العشق هو مرحلة الجنون من الصبابه فالهيام هو مرحلة الجنون من العشق. وهي أعلى مراتب الحب وأقواها ودلالة اكتماله، فتشتعل نيران الحب في القلب ليكون ناتجها الهيام.
بِيَ السُّلُّ أَو داءُ الهُيام أَصَابني … فإِيَّاكَ عَنِّي لا يَكُن بِكَ مَا بِيا (شعر)

والسؤال هنا هل الحب أعمى؟

أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تتوقف على إن كنت أنت المُحب أم لا. فالفرق كل الفرق بين الاثنين، لأن الإنسان العادي ينظر بعينيه إلى الجسد أما المُحب فينظر من الروح إلى الروح. وفي قصة طريفة للخليفة المأمون من ليلى. حينما سمع الأشعار والقصائد التي تكتب فيها من مجنون ليلى قال لجلسائه يبدو أن ليلى هذه مخلوقة ذات صفات خاصة تفوق كل النساء. فمارس حيلًا كثيرة ليرى ليلى بعينيه، وذات يوم أحضروها للقصر، وحينما نزعت حجابها ورأى وجهها شعر بخيبة أمل شديدة. فقال لها مستنكرًا: أأنت ليلي؟ أأنت المرأة التي يكتب فيها كل تلك الأشعار؟ فابتسمت وقالت نعم، لكنك لست هو. فيجب أن تراني بعينيه.

ولما سأل قيس لماذا تحبها؟ قال ومن منكم رأي ليلى بعين قيس. فقيل له ماذا لو أن ليلى لم تكن؟ قال: لكنت بكيت البكاء كله لكي تكون.

وخلاصة لهذا، كما لا يمكنك الإحساس بآلام المريض في فراشه ولا بحاجة المحتاج في وقت ضيقة، لا أعتقد أبدًا أنه من الممكن أن تشعر وترى بعين من أحب، فحتى لو كانت كل الدنيا تقف في وجه من أحب سيراها ذرة تراب لا يُلقى لها بالًا. وسيكون لسان حاله قائلًا ماذا ستفعل ظبة السيف حينما تطعن قلبًا أحب وعشق؟ الإجابة: لا شيء. لأنه قد عاش وملأ وجوده. فحتى الموت لن يسلبه شيئًا.

معرفة المرحلة التي أنت بها توفر عليك الكثير من المتاعب أو تأهلك لما بعدها، حتى أنها توفر لك مفردات أكثر لتعبر عما بداخلك دون تجاوز أو نقصان.

أما الحب الأول فهذا نوع آخر، هو الذي لا يمكن أن ينسي مهما طالت السنوات وتباعدت البلاد والمسافات أوانتقضى العمر لأنه عادة ما يكون خاليًا من الشهوات، فهو تعلق بريء يستغنى به المحب بمحبوبه عن الكل ويتذكره في كل الأوقات ويستأنس بذكراه بين الحين والآخر. وهو الذي وصفه أبو تمام قائلًا:

نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِن الهَوى … ما الحُبُّ إلاّ للحَبيبِ الأوَّلِ
كَمْ مَنزِلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفَتى … وحَنينُهُ أبدًا لأوَّلِ مَنزِلِ

فرفقًا بالمحبين. دمتم في نعيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد