Embed from Getty Images

تعمل د.«أسماء» صيدلانية، بمستشفى الطوارئ بمدينتها الساحلية الصغيرة، وتفتح وحدة الطوارئ أبوابها على مدار الساعة، 24 ساعة يوميًّا، سبعة أيام أسبوعيًّا، وتعمل د.«أسماء» ثماني ساعات يوميًّا، وهي مدة تأقلمت معها، واعتادت عليها تديرها بكل هدوء وإتقان، وتؤدى عملها على أكمل وجه.

بيد أن تلك الثماني ساعات تتنقل بين الأيام من جهة، ومن جهة أخرى تتنقل بين الصباح والمساء، وبين الظهيرة والفجر، فأحيانًا يبدأ العمل صباحًا في السابعة، أو مساءً في الحادية عشر، أو عصرًا في الثالثة، إنها الحياة، وإنه العمل من أجل الحياة.

وعلى الضفة الأخرى تقف بقية الأسرة الزوج، وثلاث صغيرات، ورضيع، حيث إنهم أسره هادئة سعيدة ومتآلفة، تهتم الأم بالصغيرات، وتعتني الكبرى بأختيها، ويعتنوا جميعًا بالرضيع الجميل.

رغم حداثة سنهم لقد علمتهم «أسماء» أن يتأقلموا، وأن يعتادوا على العيش واللعب والأكل والنوم والحياة، مثل الفريق الواحد تغلب عليه روح الألفة، والحب، والود العميق.

Embed from Getty Images

لقد نمت روح التعاون والتشارك بين صغيرات ذلك الفريق الأسري الفريد، وارتبطن بوالديهما ارتباطًا وثيقًا وقويًا وعميقًا، لقد انعكست روح الفريق أيضًا على التعلم؛ حيث طور الوالدان أسلوبًا للتعلم باللعب، أو للعب والتعلم، فترى الصغيرات يتبادلن اللعب «اسم بنت يبدأ بحرف الألف» ترد الأخرى «أحمد» وتنطلق الضحكات هذا اسم ولد، «اسم نبات يبدأ بحرف الجيم»، «جمل» ضحكات أخرى هذا حيوان.

ولا يمنع الرضيع صغره من المشاركة في اللعب، والتفاعل مع الضحكات، أو أن يصبح هو نفسه كرة اللعب، تتبادله الصغيرات فيما بينهن، فيكون ضحكه جميلًا، وبكاؤه أجمل، وهو يستمد عطفهن بضحكه، ويستمتع باهتمامهن ببكائه.

Embed from Getty Images

هذا النموذج الأسري الناجح، والذي طوره آباء مشغولون، وأمهات عاملات، هو بلا شك يستحق التأمل والتفكير، هذا الفريق المترابط الذي يخوض غمار مباريات الحياة اليومية الخشنة، منصهرًا ومتفاعلًا ومتناسقًا ومترابطًا، وهذا النموذج من التعليم التعاوني الممتع، والذي ينبع من روح الفريق توجيهًا وثقافة، ثم يصب فيها، وينعكس عليها ترابطًا وتماسكًا ونجاحًا.

Embed from Getty Images

كيف يصبح هذا النموذج نموذجًا بناءً يربي أبناءً، إخوة متلاقين، ومترابطين على مدار العمر؟ وكيف ستتطور وتنمو علاقة الأخوة والصداقة بينهم فتحميهم من كثير من عواصف العمر ونوبات الدهر؟ كيف يقف الأخ هنا أو الأخت سدًا منيعًا يحمي قرينه من هجمات أصدقاء السوء، ومن أن يقع فريسة لنوبات الوحدة والعزلة والاكتئاب؟

كيف تمكّن هؤلاء الآباء والأمهات من التغلب على ضعف عوامل الكم من خلال تجويد الكيف؟ لقد أصبح تواجد الأم القليل والمقتضب، دافعًا لتعظيم الأداء وتجويده وإتقانه إتقانًا محكمًا وفريدًا ونفيسًا.

كيف تتغلب الأم هنا على قريناتها الذين يقفون على النقيض، ويقضون 24 ساعة بين جدران منازلهن، ولكن ويا للأسف لسن بين أبنائهن وبناتهن!، إنهن موجودات في عوالم أخرى، بعيدة عن عوالم أطفالهن، لا تجد قلوبهن وعقولهن إلا في النوم أو المطبخ أو الشاشات المضيئة، إن تلك المنازل الصغيرة ذات الغرف المتجاورة ليست إلا عالَمًا واسعًا مشتتًا، وتلك الغرف ليست إلا كواكب متباعدة، بُعد آلاف السنين، إنها غربة الأنفس والأرواح والعقول، ولو كانت بين ذات الجدران.

هل يمكننا أن نقول إن لدينا آباءً بالفطرة وأمهات بالفطرة، إن البشر جميعًا يمكنهم أن يكونوا آباءً وأمهات من الناحية البيولوجية، ولكن هل الجميع يمكن أن يكونوا آباءً وأمهات حقيقيين أكثر حبًا واهتمامًا وعطاءً وتآلفًا وترابطًا. أكثر قدرة على بناء فريق واحد، بعقل واحد، وقلب واحد، وروح واحدة.

إن من أهم مميزات هذا الفريق هو قلة التعليمات والتنبيهات والتوجيهات، وسلاسة الحياة والحب والطعام والشراب واللعب، فهم يتحركون بروح واحدة، وعقل واحد وفى اتجاه واحد، فلا تجد للضجيج مكانًا، ولا للصراخ موضعًا.

يبدو أن نموذج الأب العامل، والأم العاملة ليس مبررًا لضعف الأداء التربوي، ويبدو الآن جليًّا أننا أمام آباء وأمهات حقيقيين، يقومون بدورهم على أكمل وجه، وأتم حال، ولا يجعلون من ضيق الوقت والانشغال معوقًا عن عظم الارتباط، وعمق الحب، وسعة العطاء، ولا يتوقفون عند الغياب الجسدي عن المنزل، ويسلمون به مبررًا للغياب الروحي والإنساني، إنه التواجد القصير الوقت والعميق الأثر.

وعلى الجانب الآخر يبدو أننا أمام نموذج من الآباء والأمهات البيولوجيين الانسحابيين، الذين يعتقدون أن جل فضلهم وعظيم كرمهم هو تفضلهم على هؤلاء الأبناء بإحضارهم إلى الحياة، وإلقائهم بين أتون نيرانها فتكويهم وتحرقهم، فتجدهم كما أبنائهم متنازعين متخاصمين متشاجرين متنافرين صارخين، لا يمثل لهم البيت إلا جدران الحماية من حر الصيف وبرد الشتاء، أما أرواحهم فهي أرواح عارية متعبة مسكينة وحيدة ومتألمة، حتى إذا شب الأبناء وأرهقتهم أجسادهم وأضعفتهم هموم المراهقة؛ أكلتهم أشباح العزلة والوحدة والاكتئاب، وإن نجوا من هذه الأشباح، وقعوا فريسة لأصدقاء السوء، وقطاع طرق الحياة، فيقذفون بهم في غياهب السعادة الكاذبة، من مخدرات أو إلحاد أو هروب أو انتحار.

جميل أن نُخضِع المقبلين على الزواج إلى فحوصات طبية لنتأكد من سلامة الأجساد والجينات من الأمراض، ولكن أليس الأولى أن نضمن سلامة الأرواح والعقول؟! وأن نحدد قدرة هؤلاء الزوجين على بناء أسرة ناجحة، من خلال تمكنهم من قدرات وملكات التآلف والتلاقي والتآخي والارتباط، هل يمكننا أن نحدد إن كانا سيكونان فريقًا واحدًا، كل فيه سلمًا لرفيقه؟ أم أنهم سيكونون مبعثرين ممزقين متشاكسين؟

{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.

هل يمكننا أن نحدد قدرتهما على المواجهة والحياة وتحمل المسئولية وخلوهم من أمراض الانسحاب والهروب؟

هل يمكننا أن ندرك ونحدد قدرتهما على بناء فريق واحد تسري روحه إلى الأبناء والبنات فتحيي أرواحهم وتنير دروبهم وتمنحهم حصنًا روحيًّا وإنسانيًّا آمنًا، يستمر معهم مدى الحياة، فتكون حياتهم فعلًا حياة حقيقية وإنسانية وليس حياة بيولوجية؟ و… أو هكذا أرى القضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

* قران كريم سورة الزمر الاية (29)".
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!