إن النجاح مطلب تتوق إليه النفوس السوية المليئة بالحياة والنشاط، وهذه النفوس تعرف تمامًا أين موطئ أقدامها اليوم، وواضحٌ لديها أين سيكون موطئ أقدامها غدًا، وما من هدف في الحياة إلا وله دافع يحركه ويمده بالطاقة اللازمة لتظل العزيمة في الإنسان شعلة مضيئة يهتدي بها، لكن هل النجاح – النجاح المجرد – هدف بحد ذاته في حياة الإنسان؟ أم هو تحصيل حاصل لأمور وخطوات تسبقه؟

للوصول للنجاح الحقيقي، علينا أن نسأل أنفسنا في البداية ثلاث أسئلة:

الأول: بماذا نريد أن ننجح؟

والثاني: لماذا نريد أن ننجح؟

والثالث: كيف نريد أن ننجح؟

وهذه الأسئلة على قدر عالٍ من الأهمية كما سنبين:

فالسؤال الأول: سؤال ماذا؟ يجيبنا على ما هو المجال الذي نريد النجاح فيه؟ وبالتالي سيسهل علينا معرفة ما هي المهارات والقدرات التي يجب أن نتحصّل عليها؟ وما هي الخبرات التي يجب أن نكتسبها؟ وما هو الميدان الذي يعنينا؟ ومن هم الأشخاص والقدوات الذين يجب أن نراقبهم ونتواصل معهم؟

والسؤال الثاني: سؤال لماذا؟ يجيبنا على الدافع أو مجموعة الدوافع التي تحركنا وتدفعنا للمضيّ في طريق ما دون غيره، وهنا يحدث التمايز بين الدوافع الحقيقية الدوافع المزيفة وبين الدافع الدائم المستمر والدافع اللحظي المؤقت، وهل هذا الدافع فعل أصيل نابع من ذاتنا أم هو ردة فعل سببها مؤثر داخلي (فكرة في عقولنا) أو مؤثر خارجي مثل (قول صديق، قراءة خبر، وجود فرصة متاحة … إلخ)؟

لافتة: دافع حقيقي دائم مستمر = نجاح حقيقي دائم مستمر العكس بالعكس.

والسؤال الثالث: سؤال كيف؟ يجيبني عن الطريقة والخطة العملية التي سأنفذها، والخطوات التي سأتبعها، لتحقيق أهدافي.

والإجابة على هذه الأسئلة بتفصيل وإسهاب يسهّل علينا الكثير من الأمور، منها التعامل مع أنفسنا وفهم رغبتها بالنجاح، فهم الظروف باستيعاب أكبر، وإدراك طبيعة هدفي، ومعرفة للفرص المحتملة والجهات المساعدة، بالتالي عمل خطة مرنة ومتوافقة مع معطيات هذا الواقع.

إن وجود رغبة شديدة في نفوسنا للنجاح شيء مُقلق، وبدون الإجابة على هذه الأسئلة، قد تكون هذه الرغبة الشديدة هي الحاجز والمانع الذي يحول دون النجاح؛ لأنه على الأغلب سيكون مصدر هذه الرغبة التي هي عبارة عن قلق مجهول، وبالتالي فالدافع الذي يحركها ويغذيها مجهول. وستقفز النفس عن الإجابة عن السؤالين الأول والثاني ماذا؟ ولماذا؟ وستُمسِك في تلابيب كيف؟ تستنطقه، ولكن بدون إجابات، وهذا يفسر لنا بعض الظواهر مثل تقلبات بعضهم في مشاريع متعددة، وعدم استمرارهم على رؤى محددة.

نعود لصاحب الرغبة الشديدة المفاجئة، فإذا استطاعت النفس تعريف هذا الدافع ستكتشف أنه دافع لحظي ومؤقت وعلى الأغلب سيكون هروب من مخاوف مثل (الخوف من الفشل)، وإذا تابعت النفس هذا الشعور وهذه الرغبة، فستضطر لأن تسعى لنجاح شكلي وظاهري لا يعبر عن ذاتها الحقيقية وستبقى تشعر بالبؤس، ولن تكون سعيدة به مهما كان عظيمًا ومكلفًا، وسيكون هذا النجاح لا معنى له، ولن يكون إضافة لمحيطها ولا للحياة فضلًا عن أن يكون إضافة لذاتها وشخصيتها، وهذا النجاح لن يكون الحل الدائم لإزالة ذلك القلق، وسرعان ما ستبحث عن إبرة مخدر أخرى وعن نجاح شكليّ آخر لتُهدّئ ما يضطرب في نفسها ويقلق راحتها.

فالنجاح ليس شيئًا واحدًا، نسعى له.. فنحصّله.. فنسعد به.. فنستريح، بل النجاح رحلة طويلة؛ هي العمر كله، وعلينا أن لا نربطه بالسعادة، فالنجاح لا يكمّل سعادتنا بل السعادة تكمّل نجاحنا، والنجاح الحقيقي كنمو الإنسان لا تكاد تشعر به، لكنه واقعي حقيقي ومشهود له من نفسك ومن الناس، وليس وليد لحظة ما أو نتيجة تحقق شيء ما، ومن أهم الأمور في النجاح أنه يأتي من الداخل إلى الخارج، وليس العكس، فمهما بدا لنا من أمثلة ونماذج من حولنا تشير أن نجاحهم بسبب خارجي فلا نصدق، لأنه عند التحقيق نتأكد أنهم قاموا بعمل اجتياز الجزء الكبير والصعب في مسيرتهم  الناجحة، فالنظر في النفس وقدراتها ومواهبها ومهاراتها وخبراتها لهو الأساس في جلب وخلق الفرص الخارجية.

وأخيرًا علينا أن نكون واضحين جدًا ومحددين جدًا ومتمايزين جدًا، حتى نكون ناجحين جدًا، وهذه الأسئلة الثلاثة خير معين على ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات