الاصطفاف الآن اختيار وطني، وهو بعد ذلك ضرورة ملحة، لا مناص منها إذا لم نقر  به في الوقت المناسب وبالشروط والثوابت الوطنية والثورية معًا، ومع الأخذ في الاعتبار أن كل يوم نؤخر فيه اصطفافنا «الحتمي» يدفع بالوطن إلى الحافة، ويدفع أبناء الوطن بسبب ذلك من دمائهم موتًا ومن أعمارهم تغييبًا في السجون والمعتقلات، في نفس الوقت الذي يزايد فيه بعض النخب والمثقفين، بل حتى بعض العامة على ثورية هذا الفصيل أو ذاك، وليس من أحد مستفيدًا من هذا الانقسام، سوى السلطة العسكرية الحاكمة، والتي تستخدم كل أجهزتها وأدواتها من أجل أن يدوم الاستقطاب والشقاق إلى الأبد، ونصل في النهاية إلى أن نرى حكومة انقلاب تتحدث نيابة عن الثورة وعن الجماهير.

إذن فالاصطفاف حادث لا محالة، طالما أن الثورة «فى رأيي» قادمة لا محالة، ولذلك فالحديث الآن يجب أن يدور حول كيفية استغلال الوقت، وتحقيق اصطفاف وطني وثوري حقيقي، بلا شوائب مؤثرة حتى لا تقع الثورة في نفس أخطائها الفائتة، وكي لا يدفع الوطن ثمنًا أغلى من المدفوع حتى الآن، والذي لا يتوقف، بل يزداد يوما بعد يوم.

وفي ألمانيا مثلًا في – ثلاثينات القرن الماضي – ما كان لهتلر أن يصل إلى سدة الحكم، إلا بسبب عدم «الاصطفاف» بين حزب الاشتراكيين الديمقراطيين والحزب الشيوعي، وحينها أمر «ستالين» الحزب الشيوعي الألماني بعدم الوقوف في نفس الصف مع الاشتراكيين الديمقراطيين، وأفتى خبراء الحزب الشيوعي ومثقفوه، من على مكاتبهم، ومن وراء نظاراتهم، أنه كما أن هتلر وحزبه النازي عنصريون وفاشيون، فإن الاشتراكيين الديمقراطيين أيضًا فاشيون!  وهكذا قرر الشيوعيون أن هتلر والاشتراكيين الديمقراطيين فى حفرة واحدة! وكانت النتيجة أن وصل هتلر والنازيون إلى الحكم، وقتل الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين معًا، وحكم ألمانيا بالحديد والنار حكمًا شموليًا فاشيًا حرفيًا، وكانت النتيجة                  الأخرى الأفدح أن دفع أكثر من خمسين مليون إنسان حياته ثمنًا لكل ذلك الغباء.

لكن كل ما تقدم لا يعنى أن يختلط الحابل بالنابل، ويتم تفريغ مصطلح «الاصطفاف» من معناه وهدفه الرئيس،  أو نكون قد أطلقنا مصطلحًا في الهواء، نظل ندور حوله بلا فائدة، حتى يتم تداوله واستهلاكه إلى أن يتلاشى، ويصبح مجرد كلمة، بلا مضمون، مثل مصطلحات كثيرة بعد الثورة، لاكتها النخبة والعامة من بعدهم لأسباب مشبوهة.

الاصطفاف يعنى في الأساس البحث عن المساحة المشتركة، ونقاط التقاطع، وتقريب وجهات النظر، وأن نكون مصدرًا للحل، لا المشكلة؛ من أجل تحقيق المقاومة الشاملة الكافية؛ لإسقاط نظام، وليس معنى هذا أن ينضم أي أحد إلى الصف الثوري، فليس معنى ما سبق أن ينضم «توفيق عكاشة» مثلًا إلى الصف الثوري، أو أن ينضم «إصلاحي» مشارك مع النظام الحالي تنفيذيًا أو رقابيًا أو تشريعيًا أو إعلاميًا أو قضائيًا، بل كي يبقى الاصطفاف الوطني نقيًا بما يكفي، يجب أن يكون ثوريًا لذلك، وإن كان الاصطفاف يشير بالضرورة إلى التباين والاختلاف، وليس التطابق، إلا أنه ينبغي أن تكون هناك ثوابت وشروط تجتمع عليها التيارات الثورية جميعًا من يمينها إلى يسارها، ولا تحيد عنها، حتى لو كان في فم أحدهم ماء تجاه الآخر، وهذه هي «أولًا» التي يبدأ الاصطفاف من بعدها بكل تبايناته الأيديولوجية والطبقية أي التي يبدأ عندها من «ثانيًا».

لذلك فـ«أولًا» التي ينبغي أن نلتف حولها جميعًا هى الشروط اللازمة لقيام الثورة أو التى من أجلها يجب أن تقوم الثورة، ويدفع لها المصريون دماءهم وأعمارهم وأولى هذه الشروط، وأولها هو إسقاط النظام العسكري بكل مكوناته وعناصره، وأدوات استبداده من جيش وشرطه وقضاء وإعلام وسلطة رقابية وتشريعيه هزلية «البرلمان»، أما عن آلية إسقاط كل عنصر وإعادة هيكلته، فيمكن أن يندرج ذلك في العناصر التالية، لكن ينبغي أن نتفق جميعًا على ضرورة تحقيق ذلك من حيث المبدأ. كما أن إسقاط النظام العسكري، لا يعني فقط سقوط «عبد الفتاح السيسي» فمن الممكن أن يسقط السيسي، ثم يأتي جنرال آخر، وقد قتل «السادات»، وجاء «مبارك»،  وهدف الثورة يجب أن يكون أكبر من إسقاط جنرال على رأس السلطة المغتصبة. غاية الثورة هي إسقاط نظام، وبناء آخر، وتحقيق ديمقراطية وعدالة اجتماعية وحرية وكرامة إنسانية وبناء على ذلك فإن عودة «محمد مرسي»، ليست هي الباعث لقيام الثورة، وإسقاط النظام الحالي، لكن كل أنصاره هم جزء أًصيل من الثورة بناء على الثوابت والمثل الإسلامية والثورية والإنسانية معا، وبالتالي فإن عودة «الشرعية» من النقاط التي يمكن النقاش حولها، وليست من الثوابت التى لا يتم الاصطفاف، إلا بها، وعلى كل القوى الثورية أن تتعلم من أخطائها، وتكف عن تخوين وإقصاء الآخرين، والاتهامات المتبادلة بالتخاذل والتقصير.

الآن لننظر إلى الأمام، ولنعلم أن الشعوب هي القائد والمعلم الأول, وأن المصريين بكل أطيافهم الفكرية والطبقية لا يزالون حتى الآن يقدمون أروع وأنبل الأمثلة في مواصلة الصمود والنضال الثوري، وبالرغم من القتل والتصفية الجسدية والاعتقالات والاختفاء القسرى لم يترك الثوار الشوارع والميادين، حتى ولو كانت الأعداد والتظاهرات أقل، بسبب حالة الجذر الثوري، لكننا مازلنا موجودين، والجذر سيتبعه المد.

الثوار لا يرهبون ولا يستسلمون، وعلى ذلك تشهد الورود التي تملأ الزنازين، وكل يوم في ازدياد، وأهالي الشهداء والمعتقلين الصابرين المحتسبين الذين يدعون على الظالم ليل نهار، وسيستجيب الله – يقينا – لهم؛ لأن دعوة المظلوم لا ترد، وليس بينها وبين الله حجاب، وبسبب هؤلاء ستنتصر الثورة، وستحكم يومًا ما، وإن كنا لا نعرف هل سنشهد ذلك اليوم أم لا، لكن لا أقل من أن نساهم في مجيئه.

المجد للأحرار في كل مكان، المجد لمن قالوا «لا» في وجه من قالوا «نعم» المجد لأهل الثورة وخاصتها هؤلاء القادة المربين القابضين على جمر مبادئهم

سلام الله على الأطهار أحياء وأمواتًا، هل قلت أمواتًا!

سلام الله على الأطهار أحياء في الأرض، وأحياء في السماء عند ربهم يرزقون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاصطفاف
عرض التعليقات
تحميل المزيد