يقول الكاتب والمترجم المصري كامل يوسف في معرض حديثه عن رواية حياة وحشية للكاتب الامريكي ريتشارد فورد: لا حصر لعدد المرات التي بادرت فيها إلى القول إنني أتفهم الشعور الذي ساور الكثيرين بالصدمة حيال هذه الإطلالة الفريدة من نوعها لتيار الواقعية القذرة في إطار المكتبة العربية.

كشيء من الإيتيقيا التاريخية ظهر مصطلح الواقعية القذرة لأول مرة على يد الكاتب الأمريكي بيل بو فورد، الذي شغل حينها رئيس تحرير مجلة جرانتا، وقد كتب بو فورد مقالًا نقديًا في العدد الثامن لمجلّة جرانتا من سنة 1983، عدّه النقّاد فيما بعد أشبه بتوطئة لمدرسة الواقعية القذرة في الأدب. وقد انتشر هذا المصطلح عالميًا فيما بعد، على الرغم من أنّ بعض الكتاب الأميركان قد تنصلوا من الانتماء إليه. إلاّ انّه عرف نزوح عديد الروائيين نحوه على غرار جون شتاينبك وبول إستر وهنري ميللر… لكن يبقى تشارلز بوكوفسكي النموذج الأشهر في ترجمة الواقعية القذرة على مستوى النتاجات الأدبية، لكن في المدوّنة الأدبية العربية عرف مفهوم الواقعية القذرة انزياحًا مخالفًا تمامًا لمبدأ هذه المدرسة التي ظهرت في أمريكا وأمريكا الجنوبية، حيث أسيء فهم الواقعية القذرة ممّا أنتج مولودًا أدبيًا مشوّها. وفي هذا المقال سنحاول إماطة اللثام عن المنعرج الذي تمّ فيه الانسلاخ عن المفهوم الأساسي لمدرسة الواقعية القذرة في الأدب.

في البداية، ومن الجانب الإنثروبولوجي نذكّر بمسألة مهمّة جدّا هي طبيعة العقيدة العربية، فالكتّاب العرب هم سليلوا واقع عربي محافظ ينزعج نوعًا ما من الخوض في مسائل يراها محرّمة، كالدين، والجنس، ناهيك عن الواقع السياسي الذي مثّل الاستبداد العمود الفقري له.

لهذا فعندما تحدّث فرويد عن التابوهات الثلاثة: الدين، والجنس، والسياسة، كانت الأمّة العربية معنية بها أكثر من غيرها. فمن الناحية الأنطولوجية كان ارتباط كلمة القذارة بمدرسة الواقعية ناجمًا عن أن كتّاب هذا التيار ينزلون إلى قاع المجتمع ليكشفوا قذارته، وتفاهة تفاصيله، وعبثه، ونمط عيشه، وجرائمه… إلخ؛ ليضربوا عرض الحائط بالمفهوم الأفلاطوني عن المدينة الفاضلة ووهم العيش السعيد.

فعلى طريقة الأفلام المصرية التي تصوّر الفيلات والقصور الفخمة وحمّامات السباحة والسيّارات الفارهة… تدور عدسة الكاميرا في الاتّجاه الآخر لتصوّر الأحياء القصديرية والجوع والفقر والبؤس الاجتماعي. الواقعية القذرة هي ترجمة أدبية لعالم الجنس، والسكر، والاغتصاب، والقتل، والانحطاط الأخلاقي والروحي… أي أنّ كتّاب الواقعية القذرة يكتبون عن التفاصيل التي تجاهلها غيرهم من الكتّاب.

لكن في المقابل، لم نجد هذا المفهوم عند السواد الأعظم من كتّابنا في العالم العربي. فقد ترجم جلّ الكتّاب الواقعية القذرة على أنّها كلام سوقي وبذيء وتصوير لمشاهد جنسية داخل المتن الروائي وتوصيف الأحداث بمنطق إيروسي مبتذل.

كما عرف الواقع الأدبي موضة جديدة لتحفيز الكتابة في الواقعية القذرة حيث يعمد بعض الكتّاب غلى أقصر الدروب وأقلّها تكلفة، ألا وهي ضرب المقدّس ليجلب الأنظار إلى عمله الأدبي في ظلّ هذا الكم الكبير من الكتب والروايات والدواوين الشعرين والمجاميع القصصية.

أمّا على المستوى النقدي فقد عرفت مؤسسة النقد شدّا وجذبًا في هذا الخصوص، فمن ناحية أكاديمية صرفة رحّب البعض بهذه المدرسة الجديدة تحت شعار: ونحن أيضًا لنا قذارتنا. في إشارة إلى الواقع العربي المزري. ومن ناحية ثانية رفض البعض الآخر هذا الوافد الأدبي الجديد بعلّة اصطباغه بصبغة أمريكية بحتة، ولا يمكن إسقاطها على الواقع العربي مهما عملت ماكية الغرب على أمركة العالم العربي؛ ممّا ادّى إلى ظهور ما يشبه المؤامرة التي حاكها النقد العربي ضد النص الروائي العاطفي.

لقد استهدفت هذه العملية تأديب النص أولًا، وتشذيب الواقع ثانيًا، من طريق تأويل النص تأويلًا كاذبًا يلائم قصور أدوات النقد البحثية من جهة، وتخلف المفاهيم الاجتماعية والفنية التي يحملها النقد من جهة أخرى. لذلك نصب النقد فخًا ثقافيًا مزدوجًا، هدفه الاحتيال على الواقع بقتل لحظات المروق والجرأة فيه، وتضليل الوعي الاجتماعي بقيادته إلى مناطق منتخبة، خالية من الصدامات المصيرية الحادة. وربّما هذا يفسّر ما ذهبت إليه المؤسسة القائمة على جائزة أستورياس الأدبية الأسبانية في الأدب عندما أسندت جائزتها لسنة 2016 إلى الروائي الأمريكي ريتشارد فورد مؤلف رواية يوم الاستقلال، والذي تعود أول رواية له إلى عام 1976.

 في الختام: إنّ قصور بعض كتّاب العالم العربي عن التفريق بين الواقع المجتمعي والراهن المجتمعي قد خلط الأوراق عليهم، فالواقعية القذرة تنقل تفاصيل الواقع بلغة أدبية ولا تنزلق بالأدب إلى العشوائيات. فرجاء افهموا القذارة دون قذارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد