لماذا لم تتحقق دولة أفلاطون الفاضلة؟

ربما يرجع السبب إلى أن البشر لا يقنعون بالحياة البسيطة، البشر لديهم غريزة الاقتناء، وغريزة الطموح، وغريزة المنافسة، وغريزة الملل، وحب الامتلاك لما في يد الغير؛ ونتيجة لذلك تعتدي جماعة على أملاك جماعة أخرى، وتتنافس الجماعات على موارد الأرض التي تنتهي بالحرب، والتاريخ الإنساني ممتلئ بالحروب، ومع نمو التجارة والمال توجد وتتكون الطبقية بين المجتمعات البشرية، وقد تنقسم كل مدينة إلى مدينتين؛ مدينة فقيرة، ومدينة غنية، وتظل بينهما حروب وصراعات.

ويخلق الوضع هنا طبقة برجوازية من التجار، يبحث أفرادها عن مكانة اجتماعية عن طريق الثروة، وينفقون أموالًا طائلة على أسرهم، فيخلقون تغييرًا في توزيع الثروات، يصاحبه تغييرات اجتماعية، تخلق هنا التطورات نظام (أوليجاركي)، أو حكومة من الأغنياء ويحكم الدولة التجار الأغنياء، وأصحاب المصارف والبنوك، وتحل سياسة الشهوة للمغانم، والركض وراء المكاسب، بدلًا من دور الدولة في تنسيق القوى الاجتماعية.

كل نوع من أنواع الحكومات ينحل وينهار بسبب الإفراط والتجاوز في مبدئه الأساسي

أولًا: الحكومة الأرستقراطية؛ تدمر نفسها بسبب تضييق دائرة السلطة مع حصرها في طبقة معينة.

ثانيًا: حكومة الأغنياء أو التجار؛ تدمر نفسها بسبب التهافت السريع على جمع الثروة.

ويؤدي الوضع إلى ثورة، يأتي بعدها ديمقراطية، ويحكم الفقراء، وينتصرون على منافسيهم، ويكون للشعب نصيب متساوٍ في الحرية والسلطة، ولكن الديمقراطية تدمر نفسها بالإفراط في الديمقراطية.

مبدأ الديمقراطية الأساسي؛ هو مساواة الجميع في حق الحصول على المنصب، وتقرير السياسة العامة، لكن الديمقراطية تتحول لكارثة عندما ينقص الشعب الأعداد الكافية في التعليم، لاختيار أفضل الحكام، وأفضل الخطط.

الشعب أو الغوغاء لا يفهمون، ويحب سماع عبارات الزعماء، ولكي يقبل مبدأ أو يرفضه يجب مدحه أو التهكم عليه، إن حكم الجماهير أو الغوغاء بحر هائج يتعذر على سفينة الدولة ركوبه، وكل ريح من جانب الخطباء تحرك المياه فيه، وتعطل المسير؛ وتؤدي الديمقراطية في النهاية لحكم الأوتوقراطية، يرى «أفلاطون» سخافة ترك نزوة الغوغاء وهواها وسلامة نيتها في اختيار موظفي الدولة السياسيين.

نقد أرسطو لدولة أفلاطون المثالية

لم يستسغ «أرسطو» فكرة المعسكرات التي فرضها «أفلاطون» على فلاسفته، وكثرة الاتصال، والاحتكاك فيها، وكونه محافظًا فهو يضفي أهمية وتقديرًا على صفات العزلة والانفراد والحرية، ويضعها فوق المقدرة الاجتماعية والسلطة، ولا يحرص على مناداة كل معاصر بأخ أو أخت ولا كل مسن بأب أو أم. «وإذا كان الجميع إخوتك، فلا إخوة لك». أليس من الأفضل أن تكون خالًا أو عمًا حقيقيًّا للبعض عن أن تكون أبًا على طريقة «أفلاطون»؟

أرسطو اشتراكي ضد الاشتراكية

إن امتلاكك للشيء يبعث في نفسك حبه، والاهتمام به، ويوقظ الحب الحقيقي في نفسك، وهذا مستحيل في دولة مثل دولة أفلاطون. ربما شهد الماضي المظلم، مجتمعًا شيوعيًّا كانت الأسرة فيه الدولة الوحيدة، وكانت المراعي والفلاحة وسيلة الحياة الوحيدة، ولكن في دولة ذات مجتمع أكثر انقسامًا، ومثل هذا المجتمع تنهار الشيوعية لأنها لا تقدم حافزًا كافيًّا لجد وكد الفئة المتفوقة في قدرتها. إن باعث الكسب ضروري للكدح في العمل المضني، كما إن حافز الملكية ضروري للصناعة والفلاحة والاهتمام بالعمل.

 

أرسطو وفضيلة الأنانية

عندما يملك فرد كل شيء لا أحد يهتم بأي شيء، واشتراك الكثيرين من الناس في الشيء يدعو إلى قلة اهتمامهم به، كل إنسان يفكر أولًا في مصلحته، وما تملك يداه، وبالكاد يفكر في مصالح العامة. إن الدولة المثالية تستهوي أفئدة الناس، وتثير اهتمامهم، وتجتذب استماعهم والتفاتهم، وتغريهم بسهولة إلى الاعتقاد بأنها بطريقة رائعة ستجعل من كل إنسان صديقًا للآخر، خصوصًا عندما يسمعون المبشر بالدولة المثالية يعلن استنكاره لشرور العالم ومفاسده القائمة، ويدعي أن هذه المفاسد والشرور ناجمة عن الملكية الخاصة، لكن هذه الشرور تنهض من مصدر آخر، وهو سوء الطبيعة البشرية وميلها إلى الشر.

إن طبيعة الإنسان المتوسط أقرب إلى الوحش منها إلى الإله، ومعظم الناس أغبياء وكسالى بالطبيعة، وفي كل نظام مهما كان نوعه نجدهم يهوون إلى أسفل الدرك، ويغطسون في الأعماق، وتقديم المساعدات الحكومية لهم مثل صب الماء في برميل مثقوب يسيل، مثل هؤلاء الناس يجب أن يحكموا سياسيًّا، ويوجهوا صناعيًّا، بموافقتهم إذا أمكن، أو بغير موافقتهم إذا استدعت الضرورة ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد