لا يختلف اثنان على أهمية صناعة «القدوة» في تكوين أجيال طموحة واعية بتحديات الأمة وأهدافها، لكن الحديث عن «القدوة» دائمًا ما يقودنا إلى سؤال آخر وهو عن نوعية هذه «القدوة»، والتي تكون في الغالب عندنا غير واقعية، فحين نطلب من شاب اليوم أن يكون مثل صلاح الدين الأيوبي، أو خالد بن الوليد لا يعرف هل يحمل سيفه أم ينظم وقته أو يقتدي بالمبادئ التي عاش من أجلها هؤلاء العظماء أم يأخذ مدفعًا رشاشًا ويبدأ الجهاد في وجه الصليبيين؟

الحالة ذاتها تواجه الفتاة حين نقارنها بأي شخصية تاريخية، فهي لا تعرف بالضبط مكامن الإلهام في هذه الشخصية التي عاشت واقعًا مختلفًا تمامًا.

إن هذا الغياب التام لقدوات واقعيين هو ما يجعل شبابنا ضائعيين لا يحلمون بأكثر من العيش والتكاثر مثلهم في ذلك مثل أي كائن غير عاقل، ولا تتجاوز ردة فعل أحدهم عند سماع أسماء هؤلاء العظماء أكثر من بيت شعر أو كلمة ترحم خالية من أي مشاعر أحرى من حماس إعادة أمجادهم، أو صناعة أمجاد جديدة، حتى المعارك وطريقة ربحها اختلفت جذريًّا، ولم يعد الحماس كافيًا ليقال إن هذا قائد عظيم، ولم يعد الحجاب كافيًا ليقال إن هذه امرأة عظمية، ولم تعد مسألة تحرير فلسطين مسألة إيمان أو اتحاد بين الأقطار الإسلامية بقدر ما هي مسألة تقدم علمي وتكنولوجي في عالم لا يملك حق الحديث الجاد فيه من لا يملك مفاعلات نووية أو نظامًا اقتصاديًّا يحتاجه العالم.
ليس في الأمر أي انتقاص من مكانة هؤلاء العظماء، مكانتهم الراسخة التي لا يضرها كلام أمثالي، لكننا بحاجة لوضع قدوات أكثر واقعية، وأقرب لحياة الأجيال الناشئة، فلو وضعنا صور يحي ولد حامدون وجمال ولد الحسن أو سميدع وأحمدو ولد عبد القادر على العملة الوطنية وعرّفنا بإنجازاتهم وسيرهم المهنية والنضالية لكان ذلك أجدى بكثير وأكثر إلهامًا.
ولن يضرنا إذا حدثنا أبناءنا عن أينشتاين وهو يضع معادلات الفيزياء الحديثة، ويشرح للعالم طريقة حدوث الجاذية بين الأجرام العملاقة على بعد سنوات ضوئية، أو شرودينجر وهو يؤسس لميكانيكا الكم ويضع معادلاتها، أو هيزنبرج وجاليليو ونيوتن وبور وغيرهم من من أفنوا أعمارهم في خدمة العلم والإنسانية، ونحن اليوم نجني ثمار عملهم.
وبدل تفصيل أحلام ابنتك على مقاسات قديمة فتنقلينها من أخت هارون الرشيد إلى أم محمد الفاتح، حدثيها عن ماري كوري وهي تحصل على جائزة نوبل مرتين، حدثيها عنها وهي تضع نظرية النشاط الإشعاعي، حدثيها عن إليزابيث بلاكويل وهي تتحدى العالم لكي تدرس الطب، وتتخرج دكتورة تداوي الآلاف وتزرع فيهم روح العطاء والعمل.
وحدثوا أطفالكم عن مجدي يعقوب وهو يتلقى القلادات والأوسمة للإنجازاته في مجال جراحة القلب، ونضال قسوم حين يتحدث -وهو عالم الفضاء- عن أحدث الاكتشافات في مجاله، أو أحمد زويل وهو يحصل على نوبل في الكيمياء، أو نجيب محفوظ وهو يحصل عليها في الأدب، ولا تنسوا أن تحدثوهم عن عبد القدير خان حين حمل على عاتقه إنجاز المشروع النووي الباكستاني.
هذا رأيي والأرض تسع الجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد