عند كلّ حدث عام أو خاص ننقسم بين مؤيد ومعارض، وفي أثناء هذا الانقسام تستحضر التصنيفات الجاهزة، فالمؤيد واقعي محض والمعارض أو صاحب الملاحظات يعتبر مثاليًا تنظيريًا، وهكذا في كلّ نقاشاتنا وخلافنا، نعم لم يعد الأمر عبارة عن ثقافة اختلاف محمود، يؤصل فيه للمجتهد حسب مكانه وزمانه، بل خلاف نقتلع له من صخر عقولنا ألف مبرر ومبرر، ومن المبررات التي تجدها دومًا في النقاشات البيزنطية التي تُعمّق الخلاف نجد أنّ من يردُّ المسائل إلى أصلها متهمٌ دومًا بالمثالية التنظيرية الحالمة، والمؤيد لكل تغيير دون مقدمات وضوابط هو الواقعي الفذّ البراجماتي الأقرب لحاجة الناس ومطالبهم. وعليه فإنه لا بدّ من معرفة الفرق بين المثالي والواقعي، وهل المثالي منفصل عن الواقع؟ وهل المثالي دومًا هو غير العامل، ولا المجتهد؟

هناك خلل كبير في تعريفنا للمثالية حيث نعزوها دوما للقعود وعدم العمل، وهذا غير صحيح البتة، فكوننا من أمّة كانت دومًا فاعلة – يلحقها بعض الأحيان تمزقٌ وتشرذم – فإنّ المثالية المقصودة ها هنا ليس المثالية التنظيرية بصيغتها الفلسفية اليونانيّة؛ أي أنّ المثالي المتحدث عنه ليس فيلسوفًا في صومعة يتخيل الأشياء على طبيعتها الكاملة، ثم يصيغ ذلك على شكل نظرية إرشاديّة إن تعداها أحدٌ خرب الكون، ولم تقم له قائمة. إنّ المثالية التي يتحلى بها البعض من مثقفي هذه الأمة هي نفسها المعرفة العميقة بطبيعة ما يجب أن تكون عليه الأمور وفقًا لضوابط الشرع والعرف المحكّم – إن لم يخالف الشرع – أو يمكنك القول إنّها خلاصة قول الفاروق – رضي الله عنه – عندما سُئل متى تخشى على الإسلام؟ فأجاب: عندما ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهليّة. أي أنّ انعدام المعرفة عن الآخر أو المضاد هي نفسها جرثومة فناء أي فكرة، ألم تقل العرب: بضدّها تُعرف الأشياءُ؟

فالمثالية التي تُعتبر تهمة في عصرنا، وبعد أن سلخناها عن إلتباس كونها يونانيّة حالمة، تُعتبر المعرفة الأعمق والأشمل، أي أنّ المثالي من أمتنا عبارة عن عارف وقف على أصول المسائل وما يجب أن تكون عليه الأشياء، لذلك يصدر حكمه على المواقف بناءً على الأصول الثابتة للفكرة لا المواقف اللحظية التي يشوبها زبد العاطفة أحيانًا كثيرة، وتحوطها الحاجة اللحظية بصورتها الشهوانية أو الإغاثية. والمعرفة يا صديقي ليست العلم بصورة الكشف عن المعلومة وحفظها فقط، بل المعرفة هي ناتج العلم مضاف إليه التجربة، إذًا فالمثالي المتهم ومن خلال تجربته وعلمه عندما يعود في الحكم على مسألة ما فإنّه يحتكم إلى الأفضل دومًا، لا الأفضل الآن، والفرق بين الأفضل دومًا والأفضل اللحظي، أن الأفضل اللحظي يمكن أن يشوبه التغيير بصورة سريعة وجارفة، يمكن رؤية ذلك في المواقف السياسية المبنية على المصالح، حيث يمكن أن ينقلب العدو حليفًا، والصديق عدوًا تبعًا للمصلحة المتغيرة من ناحية السياسة، لا من ناحية أصول الفكر، وهنا مثلًا تفقد معايير العداوة أهميتها؛ كون المصلحة السياسية هي الحاكم، فلا يعلم المرء – غير المبالي – من عدوه ومن صديقه، وعليه أن يعمل كآلة تبريرية في كلّ يوم وبمواقف متقلبة يمنة ويسرة بصورة حادّة، ويسمي ذلك بالثقة المطلقة، وهذا مكمن الخلل الذي نحن فيه، وإذا استمر على هذه الشاكلة فسنكون شلوًا ممزقًا يحسب كل جزء منه نفسه الكل المطلق والجوهر المطلق لكل شيء.

إنّ التعلل بالواقعية وما يستدعيها من حاجيات ومواقف يجعل المرء تابعًا قميئًا، مسلوخًا عن فكره وثوابت فكرته، يتبع كل ناعق، فليس له كيان فكري مستقل، بل كيان هلامي يتشكّلُ كلّ صباح تبعًا لمواقف جماعته وما يستهويه من زبد العواطف، وهنا تحديدًا يمكن تسجيل ملحوظة مهمة مفادها أنّ الواقعية بصورتها الحالية هي المرض والخلل، كون الواقعي المزعوم يعيش في ثنايا اللحظة العابرة ويجعلها الأصل في الحكم على الأشياء، ومن هنا يأتي التضارب بين المواقف والتصريحات، والقاعدة المعتمدة في علم الاجتماع أن الإنسان ابن بيئته، نعم ابن بيئته، فالمحتاج الواقع في الضيق يرى الوصول إلى ما يفكّ ضيقه ويفرج كربته هو المثالية بعينها، ولا يعنيه ما يحدث لفكرته العامّة ومبادئه وثوابته، بدعوى أن قضاء حاجته أولى من لوك المثاليات كما يقول، ربما يكون قوله صحيحًا لو كانت فكرتنا ماديّة دنيوية وضعية بحتة، لكن للأسف ثوابتنا ومبادئنا كأمة أكبر من أن تُعطّل مرة هنا ومرة هناك بدعوى الحاجة والضيق وأنّ أهل مكة أدرى بشعابها، ربما كان أهل مكة أدرى بشعابها قبل الإسلام وانتشار العلم، لكن هناك من يسكن خارج مكة وهو أدرى من أهلها بشعابها وتخومها وما تحتويه، وعليه فإنّ الواقعية بصورتها المتداولة الآن هي عبارة مرض ترقيعي يهدف إلى الارتهان إلى اللحظة العابرة واتخاذها مناطًا للحكم وتغيير الأصول، وهي مرض أسّهُ عدم القدرة على استيعاب الفكرة بصورتها الكاملة مما يعني أن الواقعي ليس إلا كائنًا جزئيًا في التفكير والتبرير  تقوده عاطفته وما يراه ولا يقوده عقله حتى وإن صاغ الكلام على طريقة المنفلوطي، وهنا يمكن القول إنّه لا يُقبل من الواقعي الجزئي المرتهن للحظة عابرة أن يعيب على المثالي كون المثالي يفوقه بالنظرة الشاملة المؤصلة ولا يرتهن للمواقف واللجظات المتقلبة.

ختامًا، هنا يمكن العودة إلى عنوان المقال، حيث أزعم أنّ المثالي واقعي بصورة أكبر بكثير ممن يدّعون الواقعية، ذلك أنّه يحكم على المواقف بناءً على الأصول الثابتة للفكرة لا اللحظات العابرة للمواقف المتقلبة، وأنّه جمع بين العلم والتجربة والإستقراء التاريخي؛أي أنّه يشكل في حكمه نوعا من التغذية الراجعة لأي موقف يستجد، والأصل في الأشيلء أن تُردّ إلى أصلها لا أن تُترك لمن يعوزهم العلم والفهم الدقيق، وحتى أولئك الذين يتذرعون بالواقعية للحفاظ على مكانتهم عند من يرجون وصالهم فالقول لهم إن من تنقل بين المواقف مبررا ومعللا ليحيا فسيموت بلا موقف ولا فكرة وسيكون كالريشة في مهب ريح التغيير.والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد