يقول الله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾

ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم): “إنما الأعمال بالنيات”.

كما يقول (صلى الله عليه وسلم): “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”.

 

1. تتضافر هذه النصوص لتنسج مفهومًا محكمًا للعدل الإلهي، العدل المطلق، الذي يغض الطرف عن النتائج، وإنما ينظر إلى النوايا والأعمال فقط، وذلك لأن النتائج غير مضمونة، فقد يقتحم رجل منزلًا يحترق ويخرج بجثة طفل، لو حكمنا عليه بالنتائج سيكون فاشلًا، وهذا بالطبع ظلم، لذا فالدين يعتبره بطلًا لنواياه وبطولة عمله ولا ينظر للنتائج.

2. كما تسكن هذه النصوص في القلب راحة وطمأنينة نُحسد – نحن المسلمين – عليها، فلم يعد القلب المسلم معلقًا بالنتائج واضطرابها واحتمالاتها وعوائقها وموعدها، وإنما يتفرغ فقط لإصلاح نواياه وإحسان العمل، وليحدث ما يحدث. وبذلك إذا كنا نرى أن الأمر الإلهي لا يحقق مقصدًا كافيًا مشجعًا، فلا علينا بالنتائج.

 

3. تفرق هذه النصوص بين العلة من الأمر الإلهي والحكمة من ورائه؛ أي أننا نطيع الله تعالى، ليس لعلة، فلا ندرس نتائج الأمر فنقتنع بها، فنرضى بالطاعة! بل نستسلم لله تعالى مطيعين خاشعين دون النظر للنتائج. أما دراسة الحكمة من الأمر الإلهي، فهي فقط لنعتبر ونزداد يقينًا وفهمًا، لكن هذه الحِكم لا يُبنى عليها الطاعة. إذن فنحن نطيع الأمر الإلهي بصرف النظر عن نتائجه.

 

كانت هذه هي مجالات ومقاصد النصوص سالفة الذكر، فعلمنا متى لا ننظر للنتائج، إلا أن البعض نقل هذه النصوص إلى غير موضعها، وبالتالي أخرجها عن مقصدها، بل جعلها تضاد الدين نفسه؛ تسير ضد مقاصده، تجعل من الدين مجرد نصوص فارغة ساذجة لا تعترف بواقع ولا تحترم قوانينه!

 

– هل تعتقد أن اعتصام رابعة سيرجع مرسي أو يحقق استقرارًا أكثر؟

 

– لقد أغرق الله الأرض من أجل نوح وقلة معه، ونصر أهل بدر وهم قلة، وأذَّن إبراهيم في الناس بالحج وهو في صحراء، وأتى الحجاج من كل فج عظيم. فالنتائج تأتي من عند الله، وما علينا إلا الأخذ بالأسباب.

– إذا تم إلغاء النظام الانتخابي، كيف سيُدار الحكم؟

 

– يرى سيد قطب أن هذه المجتمعات جاهلية، ومن ثم لا تسأل عن تطبيق الشريعة فيها، فعليك أولًا أن تدعو للإسلام، ويقبل من يقبل، ويرتد من يرتد، ثم تقيم واقعًا كما تريده الشريعة، عندئذ قد نجد مجتمعًا لا يستلزم إنشاء بنوك وشركات تأمين وانتخابات… إلخ! (1)

 

– مذيع: بعد قتلكم للسادات، ماذا كانت خطتكم؟

 

– أحد المشاركين: كان التصور أن نسيطر على مديريات الأمن، وماسبيرو، ونذيع مرسومًا يعلن قيام دولة إسلامية، ونحرض الناس في المساجد للخروج لإشعال ثورة.

– هل تمتلكون قوة لتحقيق كل ذلك؟

 

– يكفينا التحرك والله الموفق!

 

– هل تنكر أن حد الردة يتعارض كليةً مع حرية الدين وأنه يخلق منافقين؟

– نحن نطبق الشرع، وليس لدي شك أن ما أنزله الله صالحٌ، بصرف النظر وعينا ذلك أم لا.

– هل تعتقد أن حلم الخلافة ممكن تنفيذه؟ هل مميزاته تستحق الدماء التي ستراق لتحقيقه؟

– نحن نسير في طريق الشرع، ولا تسألني عن النتائج.

كل هذه الردود صحيحة، إلا أنها تُطبق في غير موضعها، وأوجه الاختلاف بين هذه المواقف وموضعها الطبيعي:

أولًا:

إذا أمر الله تعالى أمرًا – وتأكدنا من ذلك – حينئذ لا ننظر للنتائج، أما إن كان محل البحث: هل أمر الله بهذا الفهم/الأمر أم لا؟ هل هذا الفعل صحيح أم لا؟ عندئذ دراسة النتائج أهم الطرق لإثبات صحته أو خطئه، وطالما نتناقش حول قضية، إذن لا إجماع على أنها أمر إلهي، ويجب دراسة نتائجها في ضوء مقاصد الدين ليظهر إن كانت تتعارض مع الدين أم تتوافق معه.

ثانيًا:

عدم النظر للنتائج يُقصد به، أن النتيجة حسنة لا شك، إلا أنها ضعيفة غير مشجعة، عندئذ لا نلتفت إليها حتى لا نيأس، أما إن كانت النتائج مدمرة، كيف لا نلتفت إليها؟!

ثالثًا:

صحيح أن الله يحاسبنا على نوايانا ولا ينظر إلى نتائج أعمالنا، إلا أن ذلك لا يعني أن نهمل ونتواكل وندعي الجهل! لا ينظر الله إلى النتائج إذا اجتهد الإنسان أن يصل إلى أفضل النتائج، لكن قهره الواقعُ ومنعه من الوصول لهدفه؛ هنا يجازيه الله على نواياه. أما المستهتر المهمل المتجاهل يحاسبه الله، لأنه قصد وتعمد الفشل.

تطبيق النصوص في غير موضعها جعل البعض يتعصب لمفهوم لا يمكن أن يتوافق مع الشرع، ويحقق كوارث للدين والبلاد والعباد، ومع ذلك يغمض عينيه عن هذه النتائج ويقهر نفسه على الإيمان به، فقط لاعتقاده أنه مراد النص. وبذلك أصبح الإسلاميون خياليين سذجًا يعيشون داخل مجلداتهم فقط، يحلمون بأوهام، لا هي من الدين، ولا يمكن تطبيقها، وتطبيقها يعارض مقاصد الدين!

التفت العلماء لهذه الظاهرة فوضعوا قسمًا للفقه سموه (فقه المآلات) ويعرّفه الإمام القرضاوي بأنه: “دراسة الآثار والنتائج التي تترتب على الأفعال، فلا ينبغي للمكلف أن يعمل العمل، ولا يبالي بآثاره على نفسه وعلى من حوله، وإنما الواجب أن ينظر في نتائجه ومآلاته المرتقبة”(2).

 

دعنا نلمح لمثالين فقط من هذا الفرع لنرى كيف اعترف الدين واحترم الواقع والظروف.

يقول الإمام القرضاوي: “في قصة موسى مع بني إسرائيل، حين ذهب إلى موعده مع ربه، الذي بلغ أربعين ليلة، وفي هذه الغيبة فتنهم السامري بعجله الذهبي، حتى عبده القوم، ونصحهم أخوه هارون، فلم ينتصحوا وقالوا: ﴿ قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴾ وبعد رجوع موسى ورؤيته لهذا المنكر البشع – عبادة العجل – اشتد على أخيه في الإنكار، وأخذ بلحيته يجره إليه من شدة الغضب، ﴿ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ ومعنى هذا: أن هارون قدم الحفاظ على وحدة الجماعة في غيبة أخيه الأكبر، حتى يحضر، ويتفاهما معًا كيف يواجهان الموقف الخطير بما يتطلبه من حزم وحكمة.”(3)

وروى البخاري أن في غزوة (بني المصطلق) ضرب رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول الله فقال: ما بال دعوى جاهلية؟ دعوها فإنها منتنة. فسمع بذلك عبد الله بن أُبي – رأس المنافقين – فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي: “دَعْه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه”.

نحن أمام منافق، بل رأس المنافقين، يعلن بوقاحة تمرده وانقلابه على الجيش وقائده، بل يسبه. في كل الأعراف الدينية والعسكرية والسياسية، هذا الرجل (يجب) قتله بتهمة التمرد والانقلاب على السلطة وإضعاف الجيش، إلا أن لهذا الفعل نتائج غير محمودة؛ فقد يستغل الإعلام الحادثة ليروج أن محمدًا يقتل أصحابه، وتسوء صورة الإسلام، وبذلك يقل عدد المستجيبين للدعوة، وهذه النتيجة وحدها كافية أن توقف هذا الواجب.

 

وبذلك نضع الحكمة موضعها، فقبل التنفيذ يجب المرور على فلترين: هل هذا الرأي صواب أم خطأ؟ (فقه النصوص)، ثم نسقط هذا الرأي على الواقع لنرى إن كان ممكنًا أم مستحيلًا، أولى أم أقل أولوية (فقه الواقع).

 

وكل أمر إلهي قطعي ثابت، نطيعه دون النظر إلى نتائجه. أما كل نص يحتمل التأويل، كل فهم/مذهب/رأي/مصلحة يجب النظر إلى نتائجه وإخضاعها لمقاصد الدين، لنرى إن كانت تنتسب للدين أم تعارضه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) في ظلال القرآن، ج4 ص2006
(2) الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد، ص263
(3) المصدر السابق ص316
عرض التعليقات
تحميل المزيد