أنت الآن في قاعة المحكمة العليا البريطانية، حيث يطلب منك الحكم في القضية التي رفعتها جلالة الملكة فيكتوريا ضد اثنين من البحارة، والتي اشتهرت بعد ذلك باسم قضية «الملكة ضد دودلي وستيفن» «The Queen Vs Dudley & Stephens».

اسمح لي أن أعرفك إلى المتهمين وجريمتهم:
في منتصف عام 1884 أبحرت السفينة المتهالكة «ميجنونيت» من بريطانيا إلى أستراليا، وبعد أن ضربتها موجه رياح قوية غرقت السفينة، بينما نجا طاقمها المكون من أربعة بحارة هم دودلي، ستيفنز، بروك، وصبي يتيم عمره سبعة عشر عامًا اسمه ريتشارد باركر .
ولم يكن معهم ماء ولا طعام إلا علبتين من اللفت تغذوا عليها، وعلى سلحفاة اصطادوها خلال الثلاثة أيام الأولى، ومكثوا أسبوعين كاملين بدون طعام أو شراب إلا بولهم، وهم على بعد 700 ميل من أقرب يابسة لهم.
وفي أثناء ذلك عرض أحدهم فكرة القرعة لاختيار شخص يقتلونه، ويأكلون لحمه، ويشربون دمه، ولم تلق الفكرة ترحيبًا من رابعهم بروك.

باركر الفتى حديث الخبرة، شرب من ماء البحر وأصيب بالمرض، ودخل في غيبوبة، وبدا للجميع أنه أقربهم إلى الموت، وهنا وفي شدة يأسهم وبحثهم عن النجاة قام ستيفنز ودودلي بالإشارة إلى بروك ليشيح بوجهه، وقتل كلاهما باركر بسكين، وتغذى ثلاثتهم على لحمه طعامًا، ودمه شرابًا حتى جرى إنقاذهم.
ويلقى القبض على القتلة ويصلون إلى المحكمة، ويكون بروك شاهد الإثبات في القضية.

أصابت هذه الواقعة المجتمع البريطاني المحافظ بالرعب.

حُكم في تلك القضية على القتلة بالإعدام، ثم تدخلت الملكة لتخفيف الحكم إلى السجن؛ إذ لا يمكننا أن نغفل أن القاتلين يستحقان التعاطف؛ نظرًا إلى ظروف الواقعة، إلا أنها أثارت العديد من الأسئلة الأخلاقية للأبد: ما حدود الضرورة؟ ماذا عن قتل بريء من أجل النجاة؟ لماذا وعلى أي أساس فضلوا حياتهم على حياته؟
وهل يعد ما دافع به دودلي عن نفسه بأن ذلك كان من أجل الصالح العام، وتحقيق أكبر قدر من المنفعة للأغلبية، أو لأكبر قدر من الناس صحيحًا؟

درست ونوقشت تلك القضية في مدارس الحقوق والفلسفة الغربية لأكثر من مائة عام، وعُدت هذه الواقعة سابقة في القانون البريطاني، لينص على الحظر القانوني لأكل لحوم البشر وأن الضرورة لا تبرر القتل.

والآن تعال معي لنرجع بالزمان حوالي ألف عام، ونرى المناقشة بين كل من ابن قدامة «الحنبلي»، السيوطي «الشافعي»، ابن جزي «المالكي»، والجرجاني «الحنفي»، والتي دارت لمناقشة رأي المذاهب الأربعة في الضرورة وأدلتها وتعريفها وحدودها، وما يجوز ولا يجوز، ومداها وذلك ما ذكروه في مؤلفاتهم على التوالي «المغني»، «الأشباه والنظائر»، «قوانين الأحكام الشرعية» و«التعريفات».

وما نص عليه من شرح 17 مادة قانونية معتمدة على الفقه الإسلامي ومنها «أن الاضطرار لا يبطل حق الغير» في باب أحكام الاضطرار في كتاب «درر الحكام في شرح مجلة الأحكام» للرئيس الأول لمحكمة التمييز ووزير العدل بالدولة العثمانية «علي حيدر خواجه»، وقد نُشر هذا الكتاب في الفترة نفسها التي نظرت فيها القضية.

هذا ما خسره العالم بانحطاط المسلمين، ومن يظن غير ذلك فهو واهم، وإن لم نستشعر عظمة تاريخنا وتراثنا ونعتز به فلن نعيده مره أخرى، هذا الميراث الذي تركه لنا رجال تعلموا وفهموا، وأخلصوا لدينهم فبنوا مجدًا وحضارة استمرت لأكثر من 1300 عام.

كل الفرق هو أن القصة جرت الاستفادة منها، وظلت حية ومخلدة في التاريخ البريطاني، بينما نسينا تاريخنا فأنسانا أنفسنا.

حجر تذكاري لريتشارد باركر في بيرتري جرين، ساوثامبتون.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد