إن العالم يفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين يذهب

ترى نفسك متعلقًا بما تريد وتلهث وراءه متخيلًا أن الكون وقف عنده وتتوقع بأنه صعب تحقيقه وتفكر به ماديًا ناسيًا بأن الكون يجري بمقادير، وبأن «لكل مجتهد نصيب»، فمن أراد أن يكون مختلفًا فليفكر بطريقة مختلفة، وهو على يقين بالوصول لهدفه، إنها ليست وصفة سحرية، وإنما دعوة للاجتهاد، فكل من يدخل الامتحان بدون مذاكرة يستصعبه، ومعظم المؤثرين في التاريخ الإنساني هم من بذلوا الجهد والتضحيات فمنهم من لم ينجب، ومنهم من لم يتزوج من الأصل متفرغًا لحلمه، ومنهم من شارك نصفه الآخر الطموح والجهد وأينشتاين وزوجته الأولى خير مثال على ذلك. والمثال الأوضح هي ماري كوري مكتشفة الراديوم المشع، وهي أول امرأة تحصل على جائزة نوبل في الكيمياء والوحيدة التي حصلت عليها مرتين، وكانت المرة الثانية في الفيزياء مناصفة مع زوجها بيير كوري.

ولنا في السيدة خديجة رضي الله عنها خير مثال عندما أعانت زوجها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه لأول مرة، وصدقته، وكانت أول من آمن به من النساء والرجال.

فالطموح لا يقف عند حد ولا عند سبب، تخيل معي أن أحد أبنائك يسألك عما كنت تريد أن تصبح عليه وانت في صغرك، ولماذا لم تستطع تحقيق ما تريده وتخيل معي الإجابة: «بأن السبب عدم تحقيق أحلامك هم أبناؤك» بسبب انشغالك بهم، أنا لا أقول بأنهم لا يستحقون، ولكن أضع أمامك عزيزي القارئ واقعًا نعيشه، وهو أننا بسبب انشغالنا بلقمة العيش نسينا طموحنا وأحلامنا بدلًا أن أن تكون تلك المسئولية هي دافع آخر لنا لتحقيق أحلامنا؛ لأننا قدوتهم الأولى، ولأن المجد لا يصنعه الأناس العاديون، وإنما من قرروا البدء في ما قرروا تنفيذه وبدون تأجيل أو تسويف، ولست وحدك في ذلك الداء، وإنما يميل الإنسان إلى التأجيل خوفًا من الفشل أو انتظارًا لوصول فكرته إلى حد الكمال فغالبًا ما يكون النجاح حليف هؤلاء الذين يعملون بجرأة، ونادرًا ما يكون حليف أولئك المترددين الذي يتهيبون المواقف ونتائجها كما قالها رونالد إسبورت.

ولنا في عملاق الإنترنت «أمازون» خير مثال حيث استقال مؤسسه جيف بزوس من وظيفته واقترض المال من والديه وبدأ.

بدأ بمكتب صغير ولوحة صغيرة كتب عليها اسم شركته، ولم ينجح مباشرة، وإنما نجح عندما غير من طريقة عمله وطورها، ومع التطوير أصبح ما هو عليه الآن.

فلا عذر لمن أدرك الفكرة.

والفكرة في حد ذاتها هي البذرة، والجهد والتطوير والرعاية هم جوهر العملية برمتها. ولا تصلح نبتة بدون رعاية ومتابعة ولا تصلح الرعاية لبذرة وهي لم توضع في باطن الأرض، وهو موقع إنباتها المناسب، ولكن تأتي الرعاية في المرحلة الثانية.

البداية دائمًا هي الأصعب وما يأتي بعد ذلك هو المتعة، فالفرق بين المزارع الناجح والمزارع البسيط هو الرعاية لما بعد الغرس، ولن تجد مزراع نبيه يفيض الماء بأرضه من أجل إنبات زرعته برغم الفوائد العظيمة للماء في الزراعة، وإنما يعطيها القدر المناسب للإنبات فقط.

وكذلك فليس الغاية من الزواج هي الإنجاب، وإنما تنشئة جيل يعُتمد عليه. فالإنجاب هو بداية الحياه الأسرية، والتربية السليمة وتنمية مهارت الطفل هي أهم ما في العملية.

وهذه ليست دعوه للبدء دون تفكير، فالبداية هي الخطوة الأولي، وإنما حدد هدفك وابدأ، وأن تعمل لمدة 20 دقيقة خير لك من أن تفكر 20 ساعة، وعليك أن تضع في اعتبارك أن النجاح والفشل يتحدد بناء على كيفية التعامل مع العقبات التي ستواجهك بالطريق، ومع كل تخط لعقبة ستحصد متعة تعينك على تخطي العقبة التالية، فإذا لم تفشل فلن تعمل بجد. فالفاشلون ينقسمون إلى نوعين هؤلاء الذين يفكرون ولا يعملون، وهؤلاء الذين يعملون ولا يفكرون أبدًا كما قال جون تشارلز سالاك، فلا يصل الناس إلى حديقة النجاح دون أن يمروا بمحطات التعب والفشل واليأس، وصاحب الإرادة القوية لا يطيل الوقوف في هذه المحطات.

والإنسان يمكن أن يغير حياته، إذا ما إستطاع أن يغير اتجاهاته العقلية. وفي ذلك قيل إن معجزة الإنسان هي التكيف وخطيئته هي التأقلم. فالتكيف مع الوضع والظروف الراهنة لتصل إلى ما تريد هو الفضيلة، وعلى النقيض أن تتأقلم مع ظروفك وتنسى طموحك هو الخطيئة بعينها. فأكثر الأشياء التي يندم عليها المرء في حياته هي الأشياء التي أراد أن يفعلها ولم يفعلها.

خلاصة القول إنه لا يجب أن يتوقف الإنسان عن البحث عن ذاته بجانب مسئوليته تجاه عائلته ومجتمعة ودينه ووظيفته وأن يأخذ في ذلك الاتجاه خطوات ولو قيد أنملة، فعظيم الجبال من صغير الحصى وفي ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها. صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو معنى أبعد من مجرد الاهتمام بالبيئة، وإنما البدء في ما هو مطلوب منك، وما يجب فعله مباشرة دون تأجيل أو عذر، وهذا المقال مثال على ذلك، فطالما فكرت أن أكتب، وكلما قرأت أكثر تمنيت أكثر أن أكتب، واليوم بدأت بما أردت أن أخبر به العالم على وعد بتطوير تلك البداية.

هذا هو الإعمار الذي طُلب منا في الأرض بأن نبني متي استطعنا ونطور على مدى عمرنا للحصول على أقصى استفاده لنا وللمجتمع وللأمة أجمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد