خلف ذاك السور الحديدي، تجارب شتى، وملل اشتاق تجربته، وحدة جديدة غير وحدتي المعتادة، وبعض من الحياة الطبيعية في غير مكانها الطبيعي، ومعانٍ كثيرة ليست في موضعها، عندما عبرت أول مرة بعد أربعين يومًا من مولدي، علامة ما في نعاسي أو بكائي تعبر عن اشتهائي للعبور، خلف سور انتظار الركاب الواصلين عندما عبرت أول مرة لم يكن شعري طويلًا أو حتى أملك أقل أحزاني الحالية، ولكني بكيت وقتها أعلم سبب البكاء وأحتفظ به دائمًا بين سطوري الهادئة التي ربما تعجب قليلًا ويسخطها كثير من الناس.

مشاهد الحياة الطويلة، معلمة ترتدي تنورة قصيرة، أشتهي أن أنظر في وجهها، أن أتفحص بلوزتها التي تكشف بعض معالم صدرها، أشتهي أن ألقي القلم على الأرض فأنظر إلى أطرافها، رغبة الاستكشاف وما يتبع كل رحلة استكشاف من فرح أو ندم، طالما علمتني الدنيا، أشتهيها فتعلمني خبث الوسائل، وأبغضها فتسمعني صوتًا يشعرني بالأمل.

وبين ذهابي وإيابي، تشكلني الرحلات بين واقعي صلب لا يشكل بشتى الطرق، وبين رومانسي هادئ حالم يجلس في طرف القصص وطرف القصائد، راوٍ وشاعر، وما مقصد الدنيا وهي التي عمرها بإعمار من رحلوا ومن سيأتون، بأن تجهل ما أفعله خلسة، لربما الندم الذي يجذبني للواقع لديه أسراره، هل هي لا تدرك اشتهائي؟! وما مقصد الدنيا حين تقص القصص وتشرح دروسها وتراني أطيل النظر وتهمل خبثي بخبثها، وبسمة تتبع لمزة زميل يحكي عما يراه من عري زاويته، وكل هذا وهي لا تدرك أسباب فرحي اللصوصية.

هي الدنيا الساقطة التي تستمتع بعبورنا منتصرين على جسدها، وعبورنا مهزومين أمام فرط قوة شخصيتها، هي تلك السيدة التي عبرت سن الحشمة وأصبحت تسوق عاهراتها الأحداث، وعاهرة لها ميزة، وعاهرة لها عيب، ومشهد حزين في القصة يطوي فرحنا قليلًا خارج الغرفة، ومشهد فرح قصير يجعل حزنًا حاضرًا لكن لا يقوى على الحركة، هي الدنيا وما أحلى الدنيا وهي أكمل الأشياء وفيها تغوص معاني ومضادات المعاني.

وفي حل وترحال، في مفترقات دروب السفر ساقطات شتى، هم خواطري الراقصات، بين النظر طويلًا دون استعمال عويناتي حتى أغرق في انعدام الرؤية وأبصر كل شيء بقلبي وبالخيال، تجد نفسك تركض بين الأزمنة، تعبر زمن فاجعة اصطدام السيارة التي عبرت على ابنة فلان، وتعبر زمن صفعة يلقيها البحر على اليابس، يصفع فيها كل حبات الرمال الثائرات الراغبات في العبور تاركين جرحًا طويلًا حتى وصولهم القاع، وأمر جرح هو الجرح البعيد عن الأهل القريب لأطول أعماق القلب، وفي حل وترحال، وعلى غير العادة، تجعلني الجارة والمعلمة والرفيقة والصديقة والعدو على غير كل عاداتي أطيل النظر بخيالي حتى أراها في شتي المشاهد وأبتسم في براءة لص وأقول «دنيا عجيبة».

الدنيا تجعلنا ذاك الشخص الذي يرى كل شيء جميلًا، والدنيا تجعلنا ذاك الواقعي الصلب الصلد، هي من شكلتنا أحلامًا وشهوات، هي التي أحضرت لنا النساء الغريبات في أحلام البلوغ، هي التي صنعت لنا أسباب رحيل الأحباء موتًا أو طلبًا لن يتم إلا بالسهر، هي التي قالت لي عندما كنت طفلًا: «لست محظوظًا في أي يوم»، هي البحر يصفع اليابس فتظهر لنا قسوتها، وهي حبات الرمل حين تصفع وتغترب كل حبة في أعماق البحر ونشفق عليها وتظهر لنا ضعفها، وهي ذات الحبات التي طالما جرحت طويلًا طويلًا حتى استقرت في قاع البحار، ويخفي عظمة البحر فعلها، وهذا كله وأنا فقط أنظر إليها كرفيقة ليلة واحدة، دون الاهتمام بما تقول، طوال ذلك وأنا أرى الواقع برومانسية، كل ذلك وأنا أرى الواقع بقلبي.

أما الشرح، لولا حاسة السمع لما سمعناه، فطوبى لكل من فقدها، ولولا الكلمات التي تكتب كل فترة فنبصرها بحاسة البصر، فطوبى لكل من فقدها، ولولا الروائح العابرة من حرق حلم ودماء طفل، فطوبى لكل من فقدها، لما فزعنا أبدًا من أحلامنا أثناء التلصص على جسدها، لما فزعنا لرؤية تجاعيدها، لما فزعنا من حقيقة أننا أحببنا غولة الغيلان.

هي التي قالت لنا إن هناك فرحًا فصار حزنًا مريرًا، وهي التي جعلتنا نحلم بخبث شديد حتى فزعنا من الحقيقة، وهي التي جاءتنا بالطعام المسموم، وهي التي جاءتني بالصديق اللدود، وهي التي قالت لنا ونحن صغار إننا محظوظون إننا هنا، ومن أنا؟! أنا الطفل الذي أحب الجلوس في المركب أثناء اللجوء غير الشرعي إلى أوروبا، وفي آخر الليل نمتُ على وجهي عند الشاطئ، وأصبحت ميتًا، وأنا الطفل الذي لم يره والده، ولم تره كبيرًا أمه، ولم تصبر عليه يومًا، لنكون ثلاثية واقعية فلسطينية من خيال الواقع الحزين، ومن أنا؟!

وهي الانتظار، حتى نظن أننا أصبحنا مثلها، لا مرآة صادقة هنا، نحن لنا تجاعيد بؤس، وشعر أبيض من لون قبحها، أي أقبح منها، وننتظر، وننتظر، وننتظر، ونلتقي أحباءنا، وبين عودة وذهاب، هي الغولة التي تجعلنا في لحظة العناق نغمض عيوننا خوفـًا أن نموت أثناء لحظات الراحة الأبدية، التي يرعاها الحب الثائر الوحيد الذي يقف من أهالي الرومانسية ليصد جمع غزاة الواقع، وفي الانتظار كثيرًا كثيرًا لا أعلم أي منا قد مل من الآخر، ولكن بين السطور، أذكر كل شيء.

هي من قالت لنا «فلسطين محتلة»، وليس لنا قدس أو لنا أن نراها، ونرى وجوه أحبائنا في الحجارة، ونلمس بالكفوف شتى قصائد الشعر، ولا نرى التلال الخضراء حين حلمنا بها، وإن رحلنا لها مسعفين للمصابين، لن نرى أي تلات خضراء؛ لأن الغراب طرد منها كل فرص العناق، وقد أخمدت الحياة كل نيران الثورات فينا، خوفًا جعلنا نخشى كل اللحظات، ونخشى رومانسيتنا فنغرق في الواقع، هي من قالت لنا «سوريا قد رحلت»، أي سوريا تلك التي ترحل؟! وهي في أيامنا تأتي كل يوم، ولكن خمس سنوات من الصمت الطويل أمام أمي التي تنزف، وأمي التي تنزف من أكثر من ستين عامًا، وأمي التي بكيتها منذ ولدت، وأمي وأمي وأمي، يا ليت العقل يصمت، ويا ليت الدنيا تصمت، ويا ليت العمى والصمم يأتيان، فهما يا صديقي إن كانا قاسيين، هما انتظار للموت، لكنه انتظار رحيم.

واقع جعلني أخشى الاتصال، بأي شيء، جعلني أفزع إذا أحببت، وجعلني أفزع أكثر إن لم أكره، هناك رومانسية في ذاك الواقع اللئيم، الحزن ودون فرح، والكره دون حب، والحب دون راحة، وهو أخبث حب، واقعي الخبيث، يجعلني كما يجعل أي إنسان واقعيًّا رومانسيًّا إذا راقبه، ورومانسيًّا بشروط الواقعية حين يُخمد ويغدو طائعًا لكل ما ترغب فيه، ويغدو سامعًا لكل سم، ومبصرًا لكل قبح، وهي السموم القبيحة، والقبح في داخل قلب المسموم وهي «دنيا عجيبة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد