«خصوصية المأساة عند جيل خاض تجربة التمرد، هي أنه مهما كان مصير كل واحد من أبنائه، سواء سار في سكة السلامة، طريق التوبة والإذعان لقوة الأمر الواقع، وحتى إعلان الكفر بكل قيم التمرد القديم، أو سار في طريق الندامة، الانهيار، اعتزال الحياة، المرض النفسي، فإنه شاء أم أبى لا يعود أبدًا نفس الشخص الذي قبل أن تبتليه غواية التمرد، لقد مسه الحلم مرة، وستبقى تلاحقه دومًا ذكرى الخطيئة الجميلة، لحظة حرية، خفة، لا تكاد تحتمل لفرط جمالها، تبقى مؤرقة كالضمير، وملهمة ككل لحظة مفعمة بالحياة، والفاعلية مؤلمة» المبتسرون، لأروى صالح.

 

أستكمل ما بدأته في المقال الفائت (آفة حارتنا 1) الحديث عن مجموعة من الآلام التي استوطنت نفوسنا وفي هذا المقال أتناول أحدهم وهو الألم الناشئ عن الوهم/ الحلم لكن دعنا نرتحل معًا بين عالمين لنحاول استكشاف العلاقة بينهما.

الواقع والحلم

 

في عالمين يجد الإنسان نفسه فتارة يصبح أحدهما مفره وتارة يصبح الآخر جحيمه، هما الضدان وكفتا الميزان، لا تستقيم الحياة إلا بوجودهما، لقد أوجد لنا الخيال وزرع بنا الحلم لنكتشف المتجاوز ونرتفع عن نقائصنا، كأن الله أراد أن يعوضنا عن طردنا من الجنة بأن زرع فينا أثرًا لها يجعلنا نرتقي لها أو نحاول أن نستدل عليها، حتى الله نفسه ما كنا لنرتقي لتصور كمال صفاته لولا قدرتنا على الحلم ولولا ملكة الخيال التي منحناها.

تخيل أن معظم ما وصلنا له من تطور تكنولوجي واختراعات كان مجرد أحلام وخيالات لراسمي عصر النهضة.

أمام سطوة الواقع وعجز الإنسان ما كان له من مفر سوى أن يكسر سلطة الواقع عليه وأن يفر منه إلى حيث لا سلطان عليه، لذلك كان لزامًا علينا أن نحلم حتى يتسنى لنا الحياة، حتى يتسنى للإنسان أن يُسمى إنسانًا. نحن بدونه نذبل – حاول أن تذهب إلى مدينة من الكتل الصماء والسواقي التي تستعبد الناس وجُل بنظرك في وجوههم تأمل علامات وآثار الزمن بين ملامحهم، ستحزن أشد الحزن، سيسكنك نفور عظيم من هذا المكان الذابل المسلوب فيه الأمل والحلم.

لا يقوى أحد على إنكار أهميته، راقب نفسك في لحظات إحباطك، في لحظات ضعفك، في لحظات لا يسكن الحلم قلبك، ستجد نفسك أقرب إلى ذلك السرير الذي ظللت عليه طوال تلك الفترة.

الحلم كمخدر رخيص

 

عندما يبدأ الألم في رحلة صعوده على سلم احتمال وجلد الإنسان، تأتي دائمًا نقطة حيث تنهار قوى الإنسان وتسقط دفاعاته، فيتكوم كطفل في ركن محاولًا الهرب من ألمه أو باحثًا عن حل مرجو لهذا الزائر الثقيل.

وكما نعلم فليس الألم بجسدي فقط ولكن هناك آلامًا لا تسكن الجسد ولا تستوطنه ولا تجدي معها المسكنات والأدوية نفعًا، مثل الألم النفسي أو الألم الذي يسكن الروح ويستوطن فيها.

هذا النوع من السهل اكتشافه، لكن من الصعب التصريح به أو التحدث عنه في مجتمع يجد المرض النفسي كنقيصة تعيب الشخص!

لكن صاحبنا هذا يعمل عمل المخدر فهو قد يُذهب عنك ما ألم بك ويرتحل بك إلى جنان الخلد ويطير بك بين السحاب وبين النجوم وربما صنعت مجدك الشخصي في لحظة أو تحدثت إلى كائن فضائي عابر، لكنه لا يخلو من أعراض جانبية، فالإفراط فيه قد يعزلك عن الواقع، وقد تعجبك سُكنى الخيال (أحلامك الواهمة) فتتوحد معها، حتى لا تقوى على مواجهة الواقع كلما ألمت بك ضائقة ارتحلت إلى خيالاتك، حتى تُضيع عمرك بين خيالات لا طائل منها.

أو قد لا تكون قد طورت وعيًا كافيًا وصلابة تكفي لأن تتحمل أن يكسر لك الزمان حلمًا تلو الآخر، فتفقد الأمل بجدوى الحياة وبجدوى السعي فيها، وتتحول إلى مجرد دمية في بحر يتلاعب بها التيار ذات اليمين وذات الشمال.

الحلم إن لم يقترن بالنضج وبقدر من الواقعية لا تفسده ولا تطغى عليه يصبح ثغرة يلوي بها الزمن أيدينا (إرادتنا).

في عالم ضاغط ومع الأعداد الكبيرة للبشر تزداد المنافسة ويرتفع سقف الطموح إلى مستويات خرافية لا يقوى البشر العادي على مجاراتها وينظر إلى من خارج المنافسة نظرة دونية.

ويكأن الإنسان العادي البسيط هو نقيصة أو شيء أقل درجة من البشر ذوي الطموح يجب التخلص منهم فهم لا يستحقون الحياة بشكل أو بآخر فهم عبء وكما في الأساطير الصينية القديمة عن ترك كبار السن ومن لا يقوون على العمل فريسة للموت على قمة أحد الجبال ربما يعاد هذا التقليد حديثًا مع الإنسان العادي البسيط!

وتحت هذا التأثير نشأت أجيال وأجيال يورث إليها الحلم جيلًا بعد جيل كأنها صلاة مفروضة لا فكاك منها، يتم تحميلهم بأحلام أجيال سابقة وأحلام أب أو أم وأحلام مجتمع، حتى يتحول الناشئ إلى فقاعة من أحلام سرعان ما تنفجر تحت ضغط الحياة.

جميعنا محملون بأحلام موروثة قد تكون نتاج تربية ما أو خيبات أب/ أم يريد أن يرى أحلامه تحيا من جديد، فورثها بجانب أمراضه العضوية لأولاده!

أو خيبات جماعة أو حزب أو تيار يزرع في نشئه ما عجزت أجيال عن تحقيقه ويمنيهم بالنصر الموعود وبأنهم جيل التحرير المرجو… إلخ!

والكثير والكثير من النماذج لأحلام موروثة لا تجلب إلا الخيبة لحامليها، ربما تأخذ عمرًا منهم ليشتفوا من خيباتها ويا لحسن حظ من أهملوها.

ألا يفكر ولو لحظة من يزرعون في النشء هذه الأوهام أنهم يرتكبون جريمة ولو بطريقة غير مباشرة في ذلك الصغير العادي الذي لا يظهر عليه أي أمارات الذكاء الخارق، أو يا للعجب لم يولد بجناحين زائدين عن كل البشر، أو بقدرات لأبطال خارقين – تجعله يحقق ما لم تقو عليه أجيال!

يجعلونهم محض أطفال بخيبات تكبر معهم ويكبرون معها، كلما قطع شوطًا من رحلته في الحياة تنهار أحلامه التي تلبست بيوت العنكبوت وشابهتها في هشاشتها، كلما انهار واحد ترك فجوة في روحه وخيبة ورحل!

 

يمكن تلخيص حكاية أجيال في هذه السردية البسيطة:

– المشهد الأول

طفل صغير على أعتاب البلوغ مثل شجرة على وشك أن ينفرط عودها – يحاول اكتشاف العالم من حوله، يمعن النظر في الأشياء، السماء، الناس، به شغف متفجر للمعرفة، به شغف متفجر للحلم.

– المشهد الثاني

بيت ومسجد/ كنيسة ومدرسة تزرع بذور الحلم بداخل صاحبنا الصغير.

– المشهد الثالث

يكبر صاحبنا ويكسر حاجز البلوغ وتكبر معه أحلامه الموروثة مع حُلمين شخصيين واحد عن إنجازه المستقبلي ونجاحه في مجال عمله المختلف، وآخر عن توقه أن يجد الحب!

– المشهد الرابع والأخير

يخرج صاحبنا من كهفه الآمن تدريجيًا كلما كبر، تنكسر طفولته على أعتاب الشباب وينكسر معها جمع أحلامه الصغيرة على صخرة الواقع فيقيم لها صوان عزاء ويدفنها في الجزء المظلم من ذاكرته ويرحل.

تجار الحلم

 

في عصرنا هذا نشأت تجارة كاملة على صناعة الحلم للإنسان، يقف الواحد منهم ليحدث الناس عن الحلم وأهميته وعن اتباع الحلم وكأن الموضوع بهذه البساطة!

يخرج صاحبنا المستمع منتشيًا تحت وطأة انبهاره بالكلام المنمق ليطارد سرابه الوهمي وليحلق عاليًا بين خططه للمستقبل وتطلعاته لتغيير مجرى الأحداث في العالم بعد بضع سنين، ولكن يا لسوء حظه فسرعان ما يتلقفه الزمن بكف ليعيده من شتاته إلى واقعه، ما بين متطلباته واحتياجاته الرئيسية التي تزداد تكلفتها كل فترة وبين عدم قدرة راتبه على تغطية هذه التكاليف، وما بين عدم وجود البديل الذي ينقله من مساحة الروتيني إلى المساحة التي تجعله ينطلق كالخيل الجامح مطاردًا حلمه.

يا لويل صاحبنا من الوهم ومن سعيه خلفه ومن مروجي الوهم.

 

الحلم والوطن

 

في وقتنا هذا يبدو أن اللفظين ولشدة السخرية لا يجتمعان أصلًا، ولا يلتقيان غير في الشعارات التي يتم تصديرها إلى عقول الفقراء ليتم تسكينهم بها، حتى في بلادنا يستخدمون الأحلام مكان جزرة جحا ولم يكلفوا أنفسهم حتى بأقل القليل الذي يسد رمق الناس ويمعنون في استخدام العصا.

يا للأسف أن يتحولا إلى ضدين في بلادنا، أن يصبح ما يكفي الناس ويسد رمقهم هو حلمهم صعب المنال.

في عالمنا هذا يتم تصدير نماذج وقوالب من أحلام جاهزة للسيطرة على الناس، عندما تمر في القاهرة أو المدينة الكئيبة كما أسميها تجد إعلانات لفيلات وعقارات تصل أسعارها لملايين الجنيهات تنتصب قائمة على بيوت متهالكة في أحياء سكن الفقر فيها، أو تلك الإعلانات لبراندات وماركات عالمية تجدها أمامك وأنت الفقير لا تملك ما يسترك، يشب الطفل في هذه المجتمعات ليجد الحلم جاهزًا مقولبًا، لا حاجة لأن يجد ويتعب في البحث عنه، لا حاجة لأن يبحث عن معنى لحياته وهدف، لا حاجة لأن يتأمل ويفكر كل شيء جاهز «الحلم هو تحصيل الثروة»، كأن بشر القرن الحادي والعشرين ولسخرية القدر قد تناسوا اختلافاتهم وحروبهم وتجمعوا على أمر واحد وهو «الحلم بالثروة»!

لا ينكر أحد حاجته إلى المال لكن أن نكون كالآلات محض تكرارات في ساقية البحث عن الثروة، فهو شيء ينتقص من إنسانيتنا.

 

الحلم من وجهة نظر أخرى

 

ولصاحبنا منفعة وكما يقال في قلب المحنة يسكن المنحة أو في قلب المأساة ربما يكون هناك درس مستفاد، فصاحبنا يلعب دورًا في إنضاجنا هو ورفيقه الزمن، فصاحبانا يلعبان أدوارًا عدة في مسرحية الحياة فأحدهما يعلب دور الغواية التي تسحبنا إلى الفخ والآخر ينفذ العقوبة، أجد هذه الرمزية في قصة آدم عليه السلام فلولا غواية الشيطان وما ذهبت إليه نفسه من حلم بالنعيم الذي تخبئه الشجرة وتُخفيه لما سقط في الغواية، ولكن نزوله من الجنة بما يحمله من شقاء، يسكن فيه الرحمة الإلهية ببني آدم أن منحهم فرصة أخرى.

وفي أسطورة سارق النار (بروميثيوس) عندما قامت بندورا بفتح الصندوق في غياب زوجها تحت غواية ما به من عجائب وكنوز فانطلق الشر المحبوس في الصندوق إلى العالم فتحولت جنة الأرض إلى جحيم البشر لكن لحسن الحظ استطاعت إغلاق الصندوق قبل خروج «انتزاع الأمل من البشر» وبقي الأمل في البشر في خروج البطل المخلص «هرقل» الذي جاء بعد ثلاثة عشر جيلًا ليحرر بروميثيوس من قيوده وينقذ بروميثيوس العالم.

 

خاتمة

 

ولكنه لا ينفك عن العودة إلى هذا المخدر الرخيص «الحلم» لكي يستطيع إكمال ما تبقى له من أنفاس في هذه الحياة، قد تجدني متحاملًا على «الحلم» ولكن كعادة أي شيء في هذه الحياة ما أن تسعى إلى شيء حتى تجد سهام القدر قد صوبت إليه فإما أصابتك أنت وإما أصابت ما رجوت إلا ما شاء الله لك أن يكون، أحاول تعريفه من جديد كسلاح ذي حدين لن تسلم من أحدهما.

«الحياة عبارة عن فرص وليست أحلامًا»، وللأسف الشديد كلما سقطنا في فخ الحاجة نلجأ سريعا إلى الحلم ونستخدمه كمخدر مجاني لآلامنا النفسية ولكنه ليس بآمن ولن تسلم من أعراضه الجانبية وهي الخيبة الملتصقة التصاقًا وثيقًا به فحاذر من الإفراط في استخدامه!

«لا فائدة، نحن ضحايا ومذنبون معًا، ضحايا لهذا الزمن ولهذه الظروف وضحايا لتربية شديدة المثالية تلقيناها ولأوهام شديدة القوة عشناها، ومذنبون لأننا صدقناها ولم نتمكن من الخروج من أسرها، والآن أعلم علم اليقين أن الوقت قد حان كي أتوقف عن التصديق وعن الاتباع وأن أدرك أن كل هذ الحلم هو محاولة يائسة. ولكني لا أستطيع التوقف عن التصديق والاتباع دون أن أموت من الملل والاكتئاب، ومن ثم فإن الخيار الحقيقي هو بين الوهم أو الموت، وذلك قاع المأساة».

— عز الدين شكري فشير (غرفة العناية المركزة).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد