لا يوجد أي استثناء في القانون لمصلحة الطبيب؛ فالطب مهنة إنسانية مقدسة، تكتسي أهميتها العملية الدائمة فينشأ فيها علاقة متبادلة بين الطبيب والمريض، حيث إننا شهدنا وما زلنا نشهد العديد من حالات الوفاة المتتالية للمرضى بشكل مفاجئ، بسبب هذه الأخطاء المنتشرة في وقتنا هذا، حيث يذهب ضحيتها العديد من الأفراد بمختلف الأعمار والأجناس، توجهوا إلى مراكز العلاج المختلفة ليتلقوا العلاج المناسب، ويخرجوا ملوحين بأيديهم وهم على غير دراية بأنهم سيصابون فيما بعد بعجز أو تشويه، قد يؤدي بهم في غالب الأحيان إلى الموت المفاجئ .

وجراء الخوف الواقعي الذي أصبح يراود المجتمع حول مراكز تلقي العلاج، أصبح هذا الأخير يطرح إشكالًا مهمًا حول مدى فاعلية القوانين لردع مثل هذه الأخطاء ووضع حل لها، علما بأن المشرع الفلسطيني لم يتعرض للمسئولية التقصيرية للطبيب، بل تركه للقواعد العامة للمسئولية المدنية، وبطبيعة الحال تعتبر هذه الأخيرة غير واضحة المعالم في ظل الاختراعات والتطورات الطبية العالمية، التي عرفت انتشارًا في جميع بقاع الأرض.

وقد أشار المشرّع الأردني لأهم عنصرين في الخطأ الطبي؛ وهما الإهمال، وعدم الاحتراز مع التنصيص على عقوبتها من خلال المادة (343) من قانون العقوبات رقم 16/1960 والتي جاءت في مضمونها «من سببّ موت أحد عن إهمال، أو قلة احتراز، أو عن عدم مراعاة القوانين والأنظمة؛ عوقب بالحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات»، وفي إطار ذلك قضت محكمة التمييز الأردنية بالمسئولية المدنية للطبيب؛ وذلك بإهماله، وعدم انتباهه، وعدم أخده بعين الاعتبار المرض الذي كانت تعاني منه الضحية من قبل، وأمر بإعطاء دواء غير مناسب لمثل هذه الحالات المرضية، وبهذه الحالة يصبح إهماله خطأ طبيًا موجبًا للمسئولية والعقاب.

أما بالنسبة للمشرّع الفلسطيني فهناك مشروع قانون ما زال قيد الدراسة، ولم يتم إقراره، حيث ما زال يشوبه الكثير من النواقص والتناقضات خاصة فيما يتعلق في تبنيه فكرتي الخطأ والضرر باعتبارهما أحد أهم شروط قيام المسئولية التقصيرية، هذا وقد اشترط في المادة 180 على المساءلة وأن يكون الفعل مميزًا، وذلك بتوفر الخطأ من الفاعل.

كما وقد جاء بشرط تعويض الضرر المنسوب للفاعل أيًّا كان؛ وذلك بصرف النظر عما إذا كان مميزًا أو غير مميز، فالقانون الفلسطيني مثل غيره من القوانين يمنح الحق بالتعويض لكل متضرر جراء الأخطاء الطبية بمختلف أشكالها، ومن واجب المحكمة عند رفع دعوى تعويض عن الأضرار الناتجة من الأطباء أن تعمل على وضع خبير ليقوم بمعاينة وتقييم الضرر بمختلف مراحله.
وفي إطار ذلك عقدت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في مدينة رام لله ورشة عمل، في هذا الإطار فجاءت بمجموعة من البنود كان من ضمنها بعض التوصيات التي تلخصت في العمل على وضع إجراءات وخطوات قابلة للتطبيق العاجل، مثل البدء في عملية توثيق قضايا الأخطاء الطبية، وتشكيل لجنة فنية عليا، للتحقيق في قضايا الأخطاء الطبية، واعتبار أن المسؤول عن الخطأ الطبي هو النظام الصحي بالكامل، وليس مسئولية فردية، وضرورة أن يتوازن الإعلام عندما يتناول قضية خطأ طبي معين بين أطراف الخطأ الطبي، وثانيهما الإجراءات والخطوات اللاحقة مثل وضع الأساس القانوني للمساءلة الطبية، والتأمين ضد الأخطاء الطبية، والصندوق الوطني للتعويضات، والتسوية الودية لقضايا الأخطاء الطبية.

ولكن ومن وجهة نظري أنه رغم العمل الذي تقوم به المحاكم والجهات المعنية بهذا الاتجاه، إلا أنها تبقى يشوبها بعض التقصير، حيث إنه في كثير من الأحيان لا يوجد تعويضًا يتناسب مع حجم الضرر، وعمليًا علينا أن نعمل على وضع ترسانة قانونية لحماية هؤلاء الأشخاص المتضررين، وتفعيل قانون الأخطاء الطبية الذي سيشكل درعًا قانونيًا لحماية ضحايا الأخطاء الطبية، والعمل على توعية وتثقيف المجتمع حول أهمية هذا الموضوع.

يبقى الباب مفتوحًا حول إشكالية وضع قانون يحمل في طياته المسئولية التقصيرية للطبيب، ويبسط التعويضات المناسبة للمصابين لجبر ضررهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تعليقات الفيسبوك