تَمــرُّ الأممُ والجَماعاتُ والدَّعواتُ بفتراتِ مَــدٍّ وجَــزرٍ، ورخاءٍ وبلاء، وإقبالٍ وإدبار، ويتعاقبُ عليها الليلُ والنهار، ولا يُثبِّتُ المَرءَ وقتَ البلاءِ إلا رجاءُ الرخاء، ولا يُقويه ساعةَ الضيقِ إلا انتظار الفَرَج، ولا يُصبِّرُهُ على دَيْجُورِ الليلِ إلا يقينُه بطلوعِ الفجرِ وبِزُوغِ الشمسِ وارتفاعِ النهار، ولَكَمْ مــرَّ على الأمةِ من آلام، وكم أصابَها من جراح، ومَضَتِ الآلام وشُفيت الجراح، وَذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

هذا القاضي الرشيد بن الزبير «أحمد بن علي الغساني الأسواني المصري» قال ياقوتُ الحموي في ترجمته: «وكان كاتبًا شاعرًا فقيهًا نحويًا لغويًا عروضيًا مؤرخًا منطقيًا مهندسًا عارفًا بالطبّ والموسيقى والنجوم متفننًا» أهــ.

وقال عنه ابنُ شاكر الكُتُبي: «كان الرشيدُ عاليَ الهمة، ساميَ القدر، عزيزَ النفس، يترفعُ على الملوك ويرقى بنفسه عنهم» أهـــــــ.

قال ياقوتُ الحموي: «أما سببُ مقتلِه، فلِميلِه إلى أســدِ الدين «شيركوه» عند دخوله البلاد ومكاتبته له». ووصَلَ خبرُه إلى الوزير «شاور بن مجير السعدي» وزير العاضد الفاطمي، فطلبه فاختفى بالإسكندرية، واتفق التجاءُ المَلك صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى الإسكندرية ومحاصرتُه بها، فخرج القاضي الرشيدُ ابن الزبير راكبًا متقلدًا سيفا، وقاتل بين يديه (بين يدي صلاح الدين الأيوبي)، ولم يزلْ معه مدةَ مقامِه بالإسكندرية إلى أن خَرجَ منها، فتزايد وَجْدُ «شاور» وحنقُه عليه. واشتدَّ له الطلبُ، واتفق أن ظَفِـرَ به على صفةٍ لم تتحققْ لنا، فأمر باشهارِه على جَمَلٍ، وعلى رأسِه طرطور، وورائه جِلْواز (شرطي) ينالُ منه، وأخبرني الشريف الإدريسي عن الفضل بن أبي الفضل أنه رآه على تلك الشنيعة وهو ينشد:

إن كان عندك يا زمانُ بقيةٌ ** مما تُهين بها الكرامَ فهاتها

ثم جعل يُهمهم شفتيه بالقرآن، وأُمِرَ به بعد إشهارِه بمصر والقاهرة أن يُصلب شــنقًا، فلما وصل به إلى الشنَّاقة جعل يقول للمتولي ذلك منه: عجلْ عجلْ! فلا رغبةَ لكريمٍ في الحياة بعد هذا الحال، ثم صلب. «معجم الأدباء 1/402».

تُرى هل كان يَدري القاضي الرشيد بن الزبير – وهو يُعلقُ على أعوادِ المشانق – أن قاتلَه «الوزير شـاور» سُيقتلُ بعده بأيامٍ، ويُدفن معه في نفسِ الحفرة؟! روى الصفديُّ في الوافي بالوفيات، والحاج بن المسيح الأسواني أن ابنَ الزبير دُفن في موضع صَلْبِه، فما مضت الأيام والليالي، حتى قُتل «شاور» وسُحِب، فاتفق أن حُفر له ليُدفن فوُجِدَ الرشيدُ بن الزبير في الحفرة مدفونًا، فدُفِنا معًا في موضعٍ واحد» أهــ، إنه العسرُ مع اليسر، والفرجُ مع الضيق، والألمُ مع الأمل.

حين ضاق الحالُ بخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، واشتدَّ عليه البلاء، شَكَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ هنا نبَّهه رسولُنا صلى الله عليه وسلم إلى ضوءٍ في نهايةِ النَّفق، وإلى فرجٍ قريب، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»، وصدق هُدْبَةُ بْنُ الْخَشْرَمِ حين قال:

عَسى الكَربُ الَّذي أَمسَيتُ فيهِ ** يَكونُ وَراءَهُ فَرَجٌ قَريبُ
فَيأَمَـنَ خائِـــفٌ ويُفَـكَّ عـَـانٍ ** وَيأَتي أَهلَهُ النائي الغَريبُ

لقد عاشتِ الأمةُ الإسلامية أيامًا أحلك من هذه الأيام، وعانت ظروفًا أشد من هذه الظروف ، وكانت مرحلة قُبيل عماد الدين زنكي مشابهة لوقتنا الحاضر أو أشـدَّ، دويلاتٌ هزيلة تدّعي – زورًا – الاستقلال والسيادة، حكامٌ يربطون مصيرَهم بمصير المحتل الصليبي، أنظمةٌ اعترفت بالمحتل وأقامت معه العلاقات والصلات، تعاون فجّ وتواطؤ مقيت بين المحتل الصليبي وحكام المنطقة العربية لوأدِ بذور المقاومة والتحرير، ومن هذا المستنقعِ الآسن، وفي تلك الظروف الوبيئة خرج عماد الدين زنكي، فرفعَ راية الجهاد، ووضعَ حجرَ الأساس، وغرسَ الفسيلة، ثم جاء بعدَه ولدُه الملك العادل نورُ الدين محمود فاستلم الراية وهي منشورة، ورفع القواعد من البيت، وسقى الفسيلةَ حتى صارت شَجَرَةً طَيِّبَةً أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، فأبشروا يا شبابَ أمتنا، أبشروا وشـمروا واعملوا واجتهدوا، ولا يشغلَنَّكم نكدُ الواقع عن سَعد الطالع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1 – صحيح البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري
2 – إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، ياقوت الحموي
3 – الوافي بالوفيات،صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي
4 – فوات الوفيات، ابن شاكر الكتبي
عرض التعليقات
تحميل المزيد