تنشط في كل عام برامج تلفزيون الواقع، وينشط معها كل راغب في الشهرة والمال بصورة سهلة، ويبدأ الأمر بالأعجاب بمقطع دون غيره ومن ثم ينشد المشاهد إلى البرنامج بأكمله، ويقبع في طيات المشاهدة التحيز والمنافسة والدعم، والدعم يقتضي مالا وتصويتا، والتصويت يقتضي تعبئة، والتعبئة تقتضي مشروعا داعما مبنيا على الحس الوطني وضرورة كسب المعركة، دون أن ندري من قرر أنها معركة؟ ودون أن نعلم من الخصوم؟ ودون أن نقف على ما هي ضرورة أن تكون معركة بيننا في هذا المجال القميء؟

غير أن الدافع للكتابة في هذا المجال، ليس التأريخ له، ولا الغوص في تفاصيله المرتبطة نوعا ما وبصورة كبيرة جدا بنظرية المؤامرة، حيث كان أول من إخترع هذا النوع من البرامج هو صهيوني يسكن مغتصبة في غور الأردن، يمكنك البحث عن المقابلة معه وترى وتسمع فخره باختراعه، وكما قلت ليس المطلوب التأريخ لهذا النوع من برامج الواقع، وإنما ما أنتجته من ثقافة على صعيد الفرد والمجتمعات والإقليم.

كانت أحلام الجيل السابق، والمقصود الجيل الواعي، كانت أحلامه متعلقة بالتحرر والوعي وخدمة المجتمع والأمة، ونيل الشهادات العليا للوصول إلى أهدافهم السامية، وكان الوالدان عبارة عن آلة دافعة لتلك الطاقات، تنحت صخر الحياة وتتجاوز مفاوزها الصعبة لتحقيق أحلام أبنائهم، كان الوالدان يندمجان معك في دراستك حتى تظن أنهما من وضع المنهاج، ينهالان عليك بكلكلهما إن وجدا تقصيرا، وهما يعلمان علو ما تطلب وصعوبة الظروف.

كان الكلام السابق نهجا عرفناه وعشناه وعايشناه، واليوم تجد أبا يخر ساجدا لأن قينا داعرا أعجب بصوت ولده، وآخر يكبر فرحا لأن قينة داعبت خد ولده، وأما تبكي وتنشج لنفس السبب، وعندما تسأل الولد نفسه عن حلمه تجد أنه يرغب بشدة أن يصبح قينا ذا شهرة وهكذا دواليك.

لقد وصل الغزو الفكري والثقافي إلى مستوى عال؛ بحيث صرنا عبارة عن زومبي مقلد بتمام معنى كلمة التقليد لكل ما يقوم به غيرنا، حيث تجدنا نبكي عندما يغني أحدهم (أعطونا الطفولة)، في حين نشيح جانبا معرضين عن الطفولة المريضة والمذبوحة في سوريا واليمن وبورما وفلسطين، أي أننا مرهفو الحس مع الكلمات وصخور صماء مع الواقع، وهذا من أخطر أنواع (الشيزوفرينيا) المجتمعية الحالة بنا، فحتى الحكام ولجان التحكيم في برامج الواقع العربي معظمها – إن لم تكن كلها – أبواق للانظمة الشمولية في المنطقة، تسبح بمجدها، وتهلل بذكرها ليل نهار.

إن الحالة الفكرية العربية الآن لا تعدو نوعا من الهلامية الرخوية، القابلة للتشكل حسب رغبات الطغاة وزبانيتهم، في حالة مشابهة لحال شعراء الجاهلية الذين كان بعضهم يتحدث عن الأخلاق ببلاغة منقطعة النظير، لكنه يأكل بلسانه من مدحه لكل عابر سبيل يحمل المال ويملكه، لقد قتل الغرب والإستعمار في بلادنا كل قدوة خير، سواء بالتصفية الجسدية المباشرة، أم بالإقصاء والتنحية من الحياة العامة والظهور الإعلامي، حتى البرامج الثقافية لا تقدم إلا غثاء مطلقا، وتزويرا للتاريخ والقيم والأخلاق، وعليه يمكن القول إن الجيل القادم بقدواته الرديئة لا يبشر بخير ولا يقدم خيرا، حيث نتحدث عن جزء من المجتمع منخرط كماليات الكماليات، لا يشكل الوالدان فيه قدوة لمجد أو هدف، بل يشكلان معول هدم وناقوس خيانة لرسالتهما الأصل؛ وهي إخراج جيل يحمل هم أمته ويسعى لحل قضاياها.

وهنا يمكن التلميح إلى مآلات ثلاثة لهذه الجاهلية الفكرية التي يغوص فيها البعض:
أولا: إن القائمين على برامج البحث عن النجوم والمواهب، ليسوا أهلا للحكم في المسائل التي يتعرضون لها، وهدفهم الربح والربح فقط، أي أن القدوات المتخذة من القيان والممثلين غالبا هي قدوات فارغة ثقافيا وفكريا وبالضرورة دينيا؛ أي نحن نتحدث عن اتخاذ اللاشيء قدوة لإنجاز الشيء، وهذا مستحيل منطقا قبل الواقع، ومن أهم مخاطر اتخاذ مثل هذه القدوات الفارغة منهجا ونهجا للحياة،أننا نربي أبناءنا على المظاهر البراقة، وحصرهم في البحث عن ذواتهم المنتفخة والأنانية، وفي كلمة أنت تصنع ابنا لا علاقة له بأمته ومجتمعه وشعبه وحتى بك، إلا علاقة مطرب يحيي سهرة باسم الوطن، وعينه على الأجر المادي آخر تلك السهرة.

ثانيا: إن الممولين لهذه البرامج ليسوا أبرياء؛ بمعنى أنهم لم يوجدوها للترفيه فقط، وإنما هم شركاء حقيقون في الغزو الفكري والثقافي للأمة، وكواليس صفقاتهم تنبئ بدور أكبر، ولقد ظهر هذا الدور أو بعضه، في محاربة الربيع العربي المفترى عليه، وظهر هذا الدور بصورة أوقح حين وجهوا مكنتهم الإعلامية القذرة ضد كل صوت ومحاولة لتصحيح مسار الأمة وإخراجها من حال التيه الذي تحياه، ففي حين تنهال القذائف والبراميل على رؤوس الأبرياء توزع الموت بالمجان تجد مكنة الإعلام المتغربن تحدثك عن مزايا النوق في سباقها، وتستضيف في إحدى الصباحات الدموية أعرابيا يحدثك عن أنواع السمك الذي يصطاد في ذلك الموسم، وفي حين كانت المؤامرات تحاك لتصفية القضايا المركزية للأمة، كان التهليل والتطبيل على قنوات هذه المكنة القميئة يمجد مشروع مغتلم الأعراب الجديد في مغامراته ضد الأربعين لصا الذين صنعوه.

هكذا يظهر دور الممولين الرديء،حيث يطلبون منك أن تهتم بما لبست فلانة في حفل توزيع جوائز الأوسكار وتغض الطرف عن العاري المشرد الذي هجر من بلاده بأموالهم ومغامراتهم السياسية الدنيئة، ومن ثم إذا اتخذت موقفا يرفضهم ويرفض عبثهم بعقول الناشئة اتخذوك غرضا وعيروك بما أنفقوه عليم سابقا، والخطر هنا أن تتحول لعبد لهذه الشرذمة المتنفذة بمالها، والعبودية تقتضي انسلاخا من العقل والقلب، وأن تتحول لآلة تنفذ ما يقال دون وعي، فأنت تكره ما يكرهون وتكفر من يكفرون، وتمدح من يمدحون، أي أن لاوعيك غدا مستعمرة أعرابية خاوية على عروشها، اللهم إلا من مفاهيم تزرعها برامج الواقع وممثلات هوليوود، ومفكرو الأنظمة الذين يروجون لهم، فأي حال هذا الذي وصلت إليه؟

ثالثا: نتيجة لهذا الغزو لأمتنا ومجتمعاتنا لا بد من انقسام، واستقطاب حاد، بين القابلين والرافضين، ومن تتبع المشاركين في برامج الواقع يجد أن المعظم عبارة عن أشخاص بلا موقف أو أيديولوجيا من أي نوع،حتى المشاركين من غزة قبل أعوام قالوا إنهم جاءوا ليثبتوا للعالم أن شعبنا يحب الحياة، وأن هناك وجها آخر لهذا الشعب، وهذا يعني بالمخالفة أن صورة الشعب المقاوم الصامد يكرهها بعض العرب أكثر من الصهاينة أنفسهم؛ وليس ذلك إلا لأن الشعب المقاوم يذكر بعض العرب والأعراب بدونيتهم وجريهم وراء شهواتهم وعبوديتهم المطلقة للغرب بأفكاره وأساليبه.

إذًا فالخوف أن تصنع هذه البرامج جيلا لا علاقة له بقضاياه المصيرية، وأن يخرج جيل يصور على أنه رمز النجاح والإصرار، فبدلًا عن أن تقتدي بصلاح الدين؛ تقتدي بعساف، وبدلًا عن أن تردد سورة الانفال؛ تردد (أنا دمي فلسطيني)، وبدلًا عن أن تقتدي بهارون الرشيد؛ وهو يخاطب نقفور بالكلب؛ تقلد رابح صقر ومن معه في (جعجعة قولوا لقطر)، وبدلًا عن أن تستحضر كل حر أبي من أجدادك؛ تعلم الشعر النبطي، وامدح الحكام واللئام، وكن بوقا. هذا الذي يريدونه من غزوهم فماذا أنت فاعل؟

هل ستترك ابنك فريسة لتيار الخيانة؟ هل ستدعه يتنكر لتاريخ أمته المجيد، ويسعى ليأكل بلسانه وصوته كما البقر من فتات الحكام؟

صحيح أن الصحوة تحتاج جماعة ومجتمعا، لكنها لن ترى النور ما دام الفرد يتنكر لها، فالفرد هو قوام أية صحوة، ومن يضيع أبناءه في تركهم للتفاهات والهمم المستفلة، فهو أول وأعتى محارب لنهضة الأمة وصحوتها. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد