للباحثين عن اللذَّة، ريال مدريد هو صاحبُ الملذّات، وللساعين وراء رغبة، في البرنابيو تُلبى الرغبات، للحارسين على متعة، في نهائي دوري الأبطال أوروبا يُجسّدُ الإمتاع.

في السنوات المنصرمة، هيمنَ ريال مدريد على اللقب القاري في القارة العجوز، ووصلَ إلى رقمٍ قياسيّ بـ13 لقبًا على مرِّ التاريخ، كأكثر الأندية تتويجًا بهذا اللقب. قد يقدم ريال مدريد موسمًا سيئًا على مستوى البطولة والكأس، لكن في دوري الأبطال يلبسون قناعًا مغايرًا، وتبدأ الأندية بالسقوط أمامهم، نادٍ تلو الآخر. الأصلع زيزو جعل من هذه البطولة أقلُّ قيمة مما كانت عليه سابقًا، حيث توِّج بها لثلاثة مراتٍ متتالية كأول مدرب يحققُ هذا الرقم، ربما سيبقى هذا الرقم صامدًا لسنواتٍ عديدة.

أحكم النادي الملكي قبضته على هذه البطولة، وفي هذا الموسم كان الريال يقدمُ مستويات ضعيفة في البطولة، وتعادلات مخيبة للآمال، جعلت من برشلونة يحسم اللّقب بصورةٍ شبه مبكرة. لكن في دوري الأبطال تعالت صرخة مدريد وحطمت أعرق الأندية بدءً بـ باريس سان جيرمان بترسانتها المبهرة، ثم البافاري بايرن ميونخ، وختامًا بالريدز ليفربول. صراحة، اندهشت كثيرا من أداء ريال مدريد في التشامبيونز ليغ بالمقارنة مع الأداء المُتدبدِب في اللّيغا وكأس الملك، دون نسيان كريم بنزيمة الذي دخل في سباتٍ عميق طوال الموسم، ولم يستيقظ إلاَّ في مباراة نصف النهائي ضدّ البايرن ميونخ؛ عندما حسم مباراة الإياب، وليتألَّق بصورةٍ لافتة في النهائي وأزعج كثيرًا دفاعات الريدز، ناهيك عن الويلزي غاريث بيل الذي كان حاسمًا في النهائي ورجل المباراة بامتياز، بمقصية وتسديدةٍ صاروخية لا تصدُّ ولا ترد.

في نهائيّ كييف ضد ليفربول، كانت آمال الإنجليز معلقة على المصري محمد صلاح – الذي أبهر العالم بأداء لافت في هذا الموسم – إلاَّ أن الريال بخبرة السنوات لم تبدُ عليه معالم القلق أو التوتر عكس لاعبي ليفربول، السببُ واضح وهو أن تجربة السنوات الفارطة جعلت اللاَّعبين يلعبون بشكلٍ هادئ. عاد لاعبو الريال إلى الخلف في الشوط الأول مع محاولاتٍ خجولة لم تترجم إلى أهداف. استخدم راموس دهاءه وقام بحركة الأفعى لمحمد صلاح ونزل به أرضًا، ليخرج الفرعون مصابًا، والدموع تنسكب من عينيه المنهزمتين. كرة القدم هي مكر وخداع منذ بدايتها، لأن محمد صلاح شَكَّلَ إزعاجًا في الجهةِ اليمنى لذلك وجِبَ إيقافهُ وهذا أمرٌ عادي لا يستحقُّ جدلًا واسعًا. بعدها، ارتكب حارس ليفربول خطأ خطيرًا جعل بنزيمة يفتتح التسجيل للريال، هذا الخطأ هو نموذجٌ لنفسية اللّاعبين المرتجفة منذ البداية، ثم تعادل من السنغالي ساديو ماني، فردَّ غاريث بيل بمقصيةٍ لا تحدثُ إلاَّ في المباريات المهمة، وختامهُ رصاصةُ رحمة من بيل بعد تسديدة صاروخية عابرة للقارات ارتطمت بيد الحارس، ثم سكنت الشباك. يجب على ليفربول أن يعدِّل أوراقه، وأن يترك حارسه مع الفريق الرديف وإرجاع الحارس البلجيكي مينيوليه إلى عرين الريدز.

هذا النهائي كان أشبه بنزهة للريال، حسم فيه لقبًا آخر، وأكد على أنَّ تخصصهُ هو هذه البطولة العريقة، ولم تعد أمجد الأندية قادرة على إيقافه. ربما سيواصل هيمنته على هذه البطولة لسنواتٍ عديدة، وكم أنا محظوظ، حيث وجدتُ ميلان والإنتر وبرشلونة في صغري، وشاهدت ريال مدريد في عزِّ شبابي، وسأحكي هذه الحكاية التاريخية للأجيال القادمة، رغم أنّني برشلوني كنت متفائلًا بقدرات ليفربول في إيقاف سطوة الريال على هذه البطولة، إلاَّ أنني صدمت بهذا الأداء، ولم أجد أي الكلمات لوصفِ هذا التتويج سوى الوقوف والتصفيق لهم بعد صمتٍ مديد. برهن الريال على أن دوري الأبطال من اختصاصه في انتظار الموسم القادم، لعلَّ فريقًا بنجومه ستكون له القدرة على التتويج وإنهاء سيطرة الريال على هذا اللقب الذي فقد قيمته مع ملوك مدريد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد