التقديس ولماذا نُقدس!

لنُبعد دائرة أحقية ذاك الكيان إن كان يستحق التقديس أو لا، سواء كان كيانًا دينيًّا، أو سياسيًّا، أو تاريخيًّا، أو فلسفيًّا حتى.

غالبًا ما نرى البعض يُقدس لحدِّ التطرف، ورُبما يصل ذلك التطرف إلى القتل والتعذيب، واليوم كالتاريخ نشهد فيه كُل أنواع التطرف الفكريّ بكافة أشكاله، ولكيّ لا أكون منحازًا بالأمثلة لنعلّم أنه مثلما قُتِل مُفكرون في الدول الإسلامية منذ نشوئها حتى اليوم، وهذا يشمل أكبر العلماء وأعظمهم مثل: ابن سينا، وأبي العلاء المعري، وابن رشد، وغيرهم من الشعراء الصوفيين الذين قتلوا في دولة المماليك، وغيرهم من المفكرين الذي قتلوا من الزمن المعاصر، مثل فرج فودة ونجيب محفوظ وتطول القائمة أكثر من المتوقع بذكر أسماء قتلوا تبعًا للشريعة والتطرف الديني ونتيجة اتهامهم بالزندقة والكفر لأنهم غير متفقين مع المسلمات الإسلامية.

 وبالمثل لم يكن زمن السيطرة المسيحية أكثر لطفًا بحق المخالفين، بل وجد به محاكم التفتيش وما يسمى محبو الآلام والكنيسة السوداء، وسجل التاريخ عددًا كبيرًا من عمليات التعذيب والتصفية باسم الدين تحت دائرة ما يسمى الزندقة والكفر، حتى إن أردنا العودة إلى تاريخ ما قبل الديانات الإبراهمية كان يوجد ما يسمى فن التعذيب في حضارة سومر لنفس الأسباب، ونكمل للجهة المناقضة للدين وهي اللادينية، وأيضًا تم ممارسة سياسة معاكسة لذلّك، وهي ما يسمى (إلحاد الدولة) وبتعريفها كما ذكر في كتاب (A Dictionary of Atheism).

إلحاد الدولة هو الترويج الرسمي للإلحاد من قبل الحكومة، مع قمع فعلي للحرية الدينية وممارسة الشعائر.

ويُذكر حسب بعض المراجع أيضًا أنه كانت الدولة ملتزمة بهدم الدين، ودمرت الكنائس والمساجد والمعابد، سَخِرت من القيادات الدينينة وعرضتهم للمضايقات، ونفذت بهم أحكام الإعدام، وأغرقت المدارس ووسائل الإعلام بتعاليم الإلحاد، وبشكل عام روجت للإلحاد على أنه الحقيقة التي يجب على المجتمع تقبلها.

كما فعلت غالبية الدول الماركسية – اللينينية. كان لكل من الجمهورية الروسية السوفيتية الاتحادية الاشتراكية (1917-1991) والاتحاد السوفيتي (1922-1991) تاريخًا طويلًا من تعزيز الإلحاد في الدولة.

والأمر غير بعيد عن السياسات والمعتقلات السياسية والقمعية وحتى العادات الاجتماعية والقبلية المتطرفة، فالكل متطرف من أجل أفكاره المقدسة، لكن بأشكال مُختلفة.

 لكن لم تسأل نفسك يومًا لماذا يقدسون أفكارهم بهذا الشكل؟

 البرمجة الفكرية المُستخدمة من السلطة

 لنتفق في بداية الأمر أن التطرف ليس منطلقًا جينيًا ولا عرقيًا ولا إقليميًا، بل هو مُكتسب من البيئة الحاضنة، وهذا ما تفعله السلطة بالضبط بكل مستوياتها في البيئة بدءًا من العائلة وصولًا للسلطة العليا بشكلٍ تدريجيّ، يكون الأمر بغية توحيد الشعب على نظام فكري مُعين لخدمة المصلحة السياسية ويتم الأمر للوصول للهدف التالي:

 الشعب المتطرف لنفس الإنتماء الذي تملكه السلطة هو شعب يملك الولاء للسلطة لأنها تحمي انتماءه، وهذا يعني أنَّ كُل سلطة يجب أن تبرمج الشعب أو الفرد على تقديس انتماءها ليكون ذات ولاء كامل لها (وهذا ما يسمى غالبًا خط الديمقراطية العددية الكاذب) وتلك الديمقراطية تلك التي تعمل عليها السلطة تكون استغلالية لانتماء الأكثرية الدينيّ أو العقائديّ وتقوم بتعزيزه لكي تكسب ولاءهم، وبالمقابل تسمح لهم بفعاليات أكثر وحرية أكبر في قمع الأقليات التي تخالفها في الانتماء وتشكل خطرًا عليها. وهنا تكون أولويات تلك السلطة استغلال الممثلين للانتماء، الكهنة ولنفرض، من أجل أن تسيطر على التابعين لهم، الشعب ولنفرض، والتابعون يؤثرون على الأقل منهم وعيًا، الأطفال ولنفرض، وتكتمل تلك البرمجة من خلال التطبيع التعليمي والتربوي والاجتماعي المستمر من خلال النهج التعليمي والثقافة السائدة التي يتم بثها في الإعلام المحلي، وللأسف يصل الشعب لدرجة من البرمجة يربط بها مقدساته مع وجوده وشخصيته وهنا يظهر التطرف.

تعويض النقص في الوجود

 الإنسان بطبعه كائن اجتماعي يميل للانتماء لمجموعات معينة، ولهذا الشخص الذي يملك فراغًا كبيرًا جدًا بوجوده يحاول الهروب نحو انتمائه ليشعر بنفسه، وهذا نتيجة عدم وجود وسيلة أخرى تعطيه قيمة وفعالية للوجود في المجتمع.

لنأخذ مثال بسيط عن التطرف في للعبة كرة القدم، تلك الكرة والرجال التي يركضون وراءها كفيلة بأن تجعل البعض متطرف لدرجة أن يقطع علاقته بأحد أو يتنمر عليه أو يؤذيه لمجرد مخالفته واستفزازه! وبكل تأكيد ليس من أجل الكرة، أو من أجل حماية سمعة اللاعبين أو من أجل الاستغباء له أو تلك المُبررات، بل هو بهذا الشكل يشعر بوجوده ويربط مقدساته (ريال مدريد ولنفرض) بشخصيته ويقتنع بشكل كامل أن أهانتهم هي إهانة مباشرة له، وبنفس المنوال يحدث مع المنتمي السياسي أو المنتمي الديني؛ أحد أسباب تطرفهم لأنهم يربطون وجودهم بوجود مصفوفات فكرية دينية أو سياسية.

حاجة الإنسان للتميّز

_ كل شخص يعمل على أمر بشكل للاواعي وهو أن يضع صفة بعد أسمه تدل على انتمائه وهذا بهدف أن يميّز نفسه في المجتمع، وهذا ما يجعل علاقة وطيدة بينه وبين تلك الصفة مثل الأمثلة التالية؛ فلان العلماني، فلان المسيحي، فلان البرشلوني، فلان الشيوعي، فلان المؤيد، فلان المعارض. وهكذا حتى يعمل دائمًا على وصل نفسه بالانتماء بعدة طرق والتطرف هو إحداها، حتى يتوّصل لدرجة أن يكون وهو والانتماء في نفس المرتبة التي تتلقى النقد وأيّ نقد لانتمائه هو نقد له شخصيًا، وهنا يتكوّن لدينا شخص مستعد أن يقمع وجودك لحماية انتمائه.

حاجة الإنسان لتبرير العدم

 هذا المنحى من التقديس هو ديني وميتافيزيقي وعقائدي بحت، كما نعلم أنه تم تقديس الآلهة المتجسدة في تماثيل ملموسة ولليوم ما زالت الكثير من الطقوس الدينية تعتمد على أحجار أو تماثيل ترمز للآلهة ويتم تقديسها بشكل كبير مثل الحجر الأسود أو تمثال المسيح في الكنيسة أو جدران المعابد في اليهودية أو التماثيل الفخارية في ديانات الهند، وهذا التقديس ينتج عن خوف الإنسان من العدم، كونه ذاك الرمز الدينيّ هو من يمثل له الحياة الأخرى والحصول على العدل الإلهي في الحياة الدنيا، وبالتالي سوف يعمل على تقديسه وحمايته والتطرف من أجله بشكل تلقائي خوفًا من أن لا ينال حياة أخرى جيدة أو حياة دنيا موفقة حسب اعتقاده، وبالتأكيد الأمر يمتد أكثر من ذلك، ولكن الآن لا نتحدث عن النصوص أو التشاريع الواضحة في الأديان، بل نتحدث عن ما أعمق من ذلك وهو الحالة النفسية له.

 الخلاصة: التقديس يعتمد على الكثير من الأسباب أكثر من كونه ملتزم بتشريع واضح ومعين، بل هو ردة فعل عقلية متلازمة مع عدة معايير اجتماعية وفكرية وفلسفية بغض النظر عن نوعية الانتماء، وبالتأكيد التقديس الكامل يعني انعدام الوعي والشك الدائم هو نهج الحياة الأصَّح. لا سبب لدينا للتطرف طالما أنّنا نريد لخط الحداثة أن يمّر من مجتمعنا… إن كان لديك أيّ أسباب أخرى تشرح لماذا يتم التقديس أتمنى مشاركتنا بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد