تَقدَّم في الجزء الأول سرد أهم الأسباب التي أدت لانخفاض الليرة التركية، والتي تكمن في السياسة التي اعتمدتها تركيا لتنمية اقتصادها، فجعلته رهينًا للديون الخارجية وللمستثمرين الأجانب، مما يسهل على الدول التي تمول المشاريع التركية على شكل قروض ربوية أو تستثمر مباشرة في تركيا أو تستند الليرة لِعُملتها أو تتحكم في قوانين لعبة الأسواق المالية، يسهل عليها التلاعب بالليرة والتأثير في الاقتصاد التركي.

فما السبيل لخروج تركيا من نَفَقِ الاضطرابات المالية والاقتصادية؟

الإجراءات التي اتخذتها تركيا تتعامل مع الأعراض وليس الداء

غالب الإجراءات المُقترحة للرفع من مستوى قيمة الليرة لا تتجاوز السقف والأدوات التي تسمح بها المنظومة الرأسمالية: [قيمة الليرة انخفضت، فلنرفعها برفع الطلب عليها وذلك بشراء أكبر كمية منها. ضعفت قدرة البنوك على منح قروض، فلنضخ مزيدًا من الأوراق النقدية المُخزنة إلى السوق المالية. ارتفعت نسبة التضخم، فلنرفع نسبة الفوائد]. فهذه الإجراءات وإن كان ربما بإمكانها التخفيف من شدة الأزمة المالية، لكن قطعًا سيكون مفعولها قصير المدى وسطحيًا ويعالج الأعراض فقط ولن يزيل المشكلة الاقتصادية.

فالإجراءات التي اتخذها البنك المركزي التركي ترمي لضخ المزيد من النقود في السوق المالية التركية وذلك بخفض نسبة الاحتياطي من الليرة ومن العُملات الأجنبية المُلزم على البنوك التقيد به، فتُمَكّن هذه السيولة البنوك من قرض مزيد من الأموال للناس والشركات مقابل فوائد. فإذًا هذه الإجراءات لا تعالج البتة الداء، فالداء هو المنظومة الرأسمالية نفسها التي بُني عليها الاقتصاد التركي (بنوك ربوية، البورصات، ديون خارجية… إلخ)، وبالتالي فأي أموال تُضخ في السوق المالية ستبتلعها هي بدورها المنظومة الرأسمالية.

ودعا الرئيس أردوغان – وتابعه في ذلك جماعات إسلامية وعلى رأسهم الإخوان وحزب الأمة الخليجي وعدة مشايخ – لدعم الليرة عن طريق تحويل مدَّخراتهم من الذهب والعملات الأجنبية إلى الليرة للرفع من الطلب عليها، ومن ثم آملين أن ترتفع قيمة الليرة.

تحويل المدخرات النقدية إلى الليرة خطوة مهمة، لكنها لا يكون لها مفعول حقيقي إلا بإصلاح المنظومة الاقتصادية أولًا، وإلا ستنتهي مدخرات الناس في أفواه الأخطبوط الرأسمالي.

أما الدعوة لتحويل الذهب إلى الليرة، فهذه خطوة خطيرة جدًا ولا أنصح بها البتة، فكيف تُستبدل مادة (الذهب) ذات قيمة ذاتية حقيقة شبه ثابتة إلى أوراق نقدية لا تستند إلى الذهب وغير مغطاة به 100% وبالتالي لا تحمل إلا قيمة معنوية معرضة للتغير وفقدان القيمة تمامُا! فليس أحسن من الذهب وسيلة لادخار المال. وتحويل الذهب إلى عُملة ورقية خطوة لا يمكن الإقدام عليها إلا إذا كانت العُملة مغطاة 100% بقيمة محددة ثابتة من الذهب، ويمكن في أي وقت إعادة تحويلها إلى ذهب دون خسارة.

أهم السُّبل لخروج تركيا من نفق الاضطرابات الاقتصادية

فالمشاكل المالية لن تُحَل حلا جذريًا إلا بالخروج من المنظومة الرأسمالية نفسها وليس بالالتجاء لأدواتها لمحاولة التخفيف من أعراض دائها. فحالنا كحال من يصر على الذهاب لدور القمار لأنه يظن أنها الوسيلة الوحيدة لكسب المال، ثم كلما خسر يبحث عن حلول لتحسين شروط المقامرة وأدواتها، بدلا من الاعتراف بحرمة القمار والابتعاد عنها تمامًا. فالمنظومة الرأسمالية هي لب الداء، والمطلوب هو الخروج منها وليس التأقلم معها وتحسين شروطها وأدواتها. والبلدان الاسلامية التي لم تع هذه الحقيقة، ستبقى تتخبط بين حلول ترقيعية تُبقيها مرتهنة اقتصاديًا وسياسيًا لأمريكا، حتى تصبح مجرد تغريدة للرئيس الأمريكي كفيلة بهز اقتصادها.

من الخطوات المهمة للخروج من المنظومة الرأسمالية:

  • تصفية كل الديون الخارجية في أسرع وقت ممكن. فكما استطاعت تركيا تسديد جميع ديونها لصندوق النقد الدولي مع حلول سنة 2013م، فإنها تستطيع ولا شك بإرادة سياسية قوية وتلاحم شعبي تسديد كل الديون المُستدانة من بنوك دول خارجية.
  • منع اتخاذ قروض من دول وبنوك خارجية: وضع قانون دستوري يمنع منعًا كليًا الدولة والشركات العاملة في تركيا اتخاذ قروض من الدول والبنوك الخارجية أو من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي؛ اللهم إلا إذا كانت قروضًا بدون ربا من بلدان إسلامية، لكن تحت شرطين مهمين: أولًا، أنه إذا لم تستطع رد الدين في الأجل المتفق عليه فعلى البلد المسلم المُدين الصبر إلى أن تستطيع أداءه دون زيادة ربا أو غرامات مالية، لقول الله {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (سورة البقرة)، يقول ابن كثير: [يَأْمُرُ تَعَالَى بِالصَّبْرِ عَلَى الْمُعْسِرِ الَّذِي لَا يَجِدُ وَفَاءً، لَا كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُ أَحَدُهُمْ لِمَدِينِهِ إِذَا حَلَّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ]. وثانيًا، أن لا «يبيع» البلد المُدِين الدَّين لدولة أخرى أو لمؤسسة دولية فتستغلها هاته الأخيرة كورقة ضغط وابتزاز.

    فالديون الخارجية هي أهم السبل لاستعباد الشعوب والدول وابتزازها والتلاعب بعُملتها، وفرض سياسات عليها تصب لخدمة المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية والعقائدية والثقافية للدول المُدينة، فدول الغرب ومؤسساته المالية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي أصبحوا هم من يضعون القوانين والدساتير في البلدان الإسلامية ويحددون السياسة الاقتصادية، بل حتى المناهج الدراسية. فمثلا كل سياسات رفع الدعم عن مواد أساسية التي عرفتها عدد من البلدان الإسلامية في السنوات الماضية وأدت لغلاء الأسعار، كانت مملات من قبل الغرب ومنظماته المالية.

  • منع الربا: إصدار قانون دستوري يحرم كل أنواع الربا تحريمًا قطعيًا امتثالًا لأمر الله، فلا يجوز للدولة ولا للشركات ولا للبنوك ولا للأفراد التعامل بالربا. فالربا كالسرطان الذي يمص الاقتصاد الحقيقي المعتمد على العمل والإنتاج مصًا، ويجعل الأموال تنتهي بيد فئة قليلة من كبار المرابين فيتحكمون بالاقتصاد وبأرزاق الناس وبقيمة العُملة، ولذلك الربا يساوي إعلان الحرب على الله والرسول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه} (سورة البقرة). وقال سبحانه عن الربا {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (سورة البقرة). الربا من الموبقات، أي من كبائر المعاصي والذُّنوب المُهْلكات، قال الرسول: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ  وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» (صحيح البخاري)، وقال: «لَعَنَ اللّه آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ» (صحيح مسلم). وقال: «الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ» (المستدرك على الصحيحين).

فكيف يفلح اقتصاد بلد مسلم وهو مبني على الربا؟ كيف يفلح من أعلن الحرب على الله بأكل الربا؟ كيف لا يهلك اقتصادٌ مبني على الربا أحد الذنوب المُهلكات؟ كيف يفلح اقتصاد ملعون بسبب اعتماده على الربا؟ كيف لا يتخبط اقتصاد وهو لا يقوم (إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) بسب الربا؟

  • منع الأسواق المالية (البورصات) «الافتراضية» التي لا تتوفر فيها شروط البيع والشراء وعقود صحيحة كما بينها الله ورسوله (يدًا بيد؛ بضاعة معلومة مقابل مال معلوم؛ شركاء ومتبادلون معلومون؛ شراكة فعلية يتحمل فيها كل الشركاء الخسارة والربح… إلخ). فهذه الأسواق المالية ليست إلا أماكن للقمار، يقامر فيها الشخص وتقامر فيها الدول والشركات بالأموال والمنتوجات والممتلكات التي كدوا ليصنعوها وينتجوها ويدخروها، فيستحوذ عليها بضغطة زر أناس ومؤسسات رأسمالية مجهولين بأساليب وطرق لا يدركها إلا كبار الرأسماليين الغربيين الذين صنعوا الأسواق المالية ويضعون قوانينها. فالمُتعاملون في الأسواق المالية كالذين يعملون عملا حلالا ويكدون فيه لينتجوا بضاعة أو خدمة حقيقية ذات قيمة ذاتية ملموسة أو محسوسة، وحين يحصلون في آخر الشهر على أجرة العمل يذهبوا ليقامروا بها في نوادي القمار، فإنه ولو ربحوا في القمار مرة أو بضع مرات، إلا أن غالبيتهم الساحقة تخسر عاجلا أو آجلا كل شيء، لأن نوادي القمار أُسست على ألاعيب لأخذ أموال المقامرين.
  • كيفية تمويل المشاريع: عند حاجة الدولة لأموال من أجل مشاريع كبرى، فعليها حشد همم المسلمين في تركيا وخارجها ليتبرعوا حسب المستطاع من أموالهم، بدلا من الاستدانة من دول خارجية. فهذه من الطرق التي كان يعتمدها الرسول عندما أقام دولته في المدينة. فقد ندب الرسولُ المسلمينَ لشراء بئر رُومة، فاشتراه عثمان رضي الله عنه من ماله الخاص وجعله ملكًا عامًا للمسلمين ليستغنوا عن اليهود في حاجتهم للماء. وندب الرسول المسلمين لتجهيز جيش العُسرة في غزوة تبوك فتبرع المسلمون وعلى رأسهم عثمان بأموال طائلة… إلخ. وإبان حرب الاستقلال في تركيا (1919م – 1923م) جمع المسلمون من كل أنحاء العالم الإسلامي كميات هائلة من الأموال والحُلِي وأرسلوها إلى تركيا ليدعموا الخلافة العثمانية.إلا أن رغبة المسلمين وقدرتهم على التبرع والتضحية لن تكون قوية وسخية وعارمة وشرعية إلا إذا رأوا بالأفعال (وليس بالأقوال) أن تركيا تستعمل أموالهم لدعم اقتصاد إسلامي وليس لضخها في صفقات ربوية وتجارات محرمة، وإذا كانت البنوك والدول تضع شروطًا صارمة على المستدين عليه استيفاؤها ليحصل على قروض ربوية، فالأولى أن يشترط عشرات ملايين المسلمين المُضحون بأموالهم على الدولة التركية أن تصرفها في الحلال، فالله أمر بالتعاون على الأعمال الصالحات وليس على الإثم {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (سورة المائدة).
  • تُمَكِّن الدولة الناس والشركات من ديون بدون ربا وتمنحهم هبات مالية ليمولوا بها المشاريع الاقتصادية، فلا يضطرون للاستدانة من بنوك أجنبية.
  • تعيد الدولة إحياء نظام الوقف الإسلامي المستقل عن الدولة والذي يتبرع فيه المسلمون بصدقات جارية ابتغاء الأجر عند الله، تُستعمل للاستثمار في قطاعات ومشاريع متنوعة تعود بالمنفعة العلمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية على الأمة. فالوقف كان أحد ركائز النمو الاقتصادي الذي عرفه المسلمون منذ عهد النبوة، وكفيل ليكون بديلًا حلالًا وقويًا لتمويل مشاريع المسلمين في كل القطاعات بدلًا من اللجوء لبنوك غربية ربوية.
  • العمل على تحقيق اكتفاء ذاتي في تصنيع كل ما تحتاجه تركيا من قطاع غيار وأسلحة وأدوية وأقمار اصطناعية وآلات… إلخ، حتى تقلص الدولة ما أمكن اعتمادها على الاستيراد.
  • تشجيع التجارة الداخلية بتخصيص كل منطقة في البلاد بنوع من الصناعات والمنتوجات والخدمات، فينموا تبادل وتجارة بين المناطق المختلفة للدولة، وبالتالي يقل الاعتماد على التصدير للخارج وما يترتب عليه من اعتماد على الدول المستوردة.
  • اعتماد الذهب والفضة عُملة للدولة، والنقود الورقية لا يجوز لها أن تستند إلى أي عملة أجنبية، لا للدولار ولا اليُورُو ولا اليوان الصيني، بل تستند إلى الذهب والفضة، فيجب أن تكون مغطاة 100% بقيمة محددة ثابتة من الذهب أو الفضة. ومعنى أن النقود الورقية مغطاة بالذهب أي أن كل ورقة نقدية تم سَكّها هي مجرد وَصْل استلام أو إيداع لكمية معينة من الذهب أو الفضة تُودَع في خزينة الدولة. فالوَصل أو النقد الورقي لا يحمل قيمة ذاتية بعكس الذهب والفضة، لكنه – أي النقد الورقي – يُثبت ملكية كمية من الذهب أو الفضة مُودعة لدى خزينة الدولة. هكذا تكون للنقود قيمة ثابتة لا تفقدها مهما طرأ على الوضع الاقتصادي.

    فمنذ تاريخ البشرية القديم كانت النقود عبارة عن قطع من الذهب والفضة، وكان الناس في تجاراتهم الدولية لا يعيرون اهتمامًا لما يُطبع عليها من رموز للدولة التي سكتها، بل يكتفون بوزنها لِتُحدد قيمتها. ومن أشْهَر النقود المعدنية التي أثبت القرآن وجودها وأقرَّها هي الدينار (قِطَع من الذهب) والدرهم (قطع من الفضة)، {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} (سورة يوسف)؛ {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} (سورة آل عمران). وحتى لما طوَّر الانسان النقود الورقية فقد كانت مغطاة بالذهب، وبقيت العملات الورقية على هذا الحال حتى سنة 1944م حيث فرضت أمريكا المنتصرة في الحرب العالمية الثانيةاتفاقية «بريتون وودز» التي جعلت عملات الدول الموقعة على الاتفاقية مستندة قيمتها إلى الدولار بدلا من الذهب، وجُعِل الدولار بداية محددًا بسعر ثابت من الذهب (35 دولارًا مقابل أونصة من الذهب – حوالي 31 جرام –) ومغطًى به.

    إلا أنه سنة1971م أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وقف قابلية تبديل الدولار إلى الذهب، فأصبحت أمريكا تطبع ما تشاء من دولارات دون أي غطاء من الذهب، ومنذ ذلك الوقت فقدت النقود الورقية أي سند قَيْمِيٍّ، قيمتها «معنوية» تتقلب حسب قوة الدولة العسكرية أولا ثم الصناعية.

  • عدم خصخصة أي منشآت وخدمات أصلها – كما حدد الاسلام – أنها ملك لكل الناس (كالماء والمناجم إلخ)، وإعادة شراء الدولة لكل المنشآت العامة التي خصخصتها من قَبل. فهذه المنشآت يجب أن تديرها الدولة لتضمن تمكين الناس من منتوجاتها وخدماتها بأثمان تتناسب وقدراتهم المادية، كما أنها تشكل مصادر مالية مهمة ودائمة للدولة تمول بها مشاريع وتنفق منها على الناس. فالخصخصة جرَّت ويلات حتى على الشعوب الغربية، فالشركات التي اشترت الملكيات العامة عمدت لطرد جزء كبير من العمال، وترفع بالتدريج وباستمرار أثمنة المنتوجات والخدمات وأصبحت تتحكم بالمصالح العامة للشعب؛ وفي المقابل المبلغ المالي الذي حصلت عليه الدولة لمرة واحدة مقابل بيع الملك العام ما يلبث أن ينبض فتفقد الدولة موارد دائمة وحيوية للمال فتضطر لأخذ مزيد من الضرائب تُفقر بها الناس.

الحلول المقترحة لا يمكن العمل بها إلا عن عقيدة تتبناها الدولة

هذه الحلول المقترحة كفيلة لسد الطريق أمام كل دولة تريد التآمر اقتصاديًا على تركيا، فباستغناء تركيا عن أموال الغرب واستثماراته تغلق الباب أمام أي محاولة منه للتأثير في الاقتصاد التركي، يقول المثل الشعبي: «الباب الذي يأتيك منه الريح، سدو واستريح».

وطبعا أدرِكُ تمام الإدراك أن الحلول التي اقترحتها ستظهر للبعض وكأنها خرافية وبعيدة المنال، وهي فعلا كذلك بالنسبة لغير المبدئيين، بالنسبة للذين لا يرون وجوب الانصياع لأوامر الله والرسول في مجالي الاقتصاد والسياسة أيضا ورغم أنف أمريكا والعالم كله. فالله قال مثلا عن الصلاة {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (سورة البقرة)، فحتى الصلاة تجدها (كَبِيرَة)، أي شاقة وثقيلة على من لا يخشى الله ولا يؤمن حقًا بلقائه، فلا يؤديها.

لكن هذه الاقتراحات هينة على من يجعل رضوان الله نصب عينيه قبل أي شيء آخر. فلا ولن يمكن للبلدان الإسلامية التحرر من قبضة الغرب إلا بحمل عقيدة الإسلام وإحيائها في نفوس الشعوب المسلمة، فوَاهِمٌ من يظن أن الدول تُبنى وتقوى بالمال والاقتصاد. بل العقيدة وإقامة الشريعة هي التي تصنع دولة قوية وتُحَصِّنها ثم يترتب على ذلك بداهة نمو اقتصادي قوي وثابت ومستقل ومُحَصَّن ضد المؤامرات الخارجية. وقد صرح الرئيس أردوغان في خطاب للجماهير قائلا: (لهم دولاراتهم ولنا ربنا). نعم صدق، لكن متى يكون الله معنا وينصرنا؟ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (سورة محمد). يقول الشنقيطي في تفسيره «أضواء البيان»: [وَمَعْنَى نَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ: نَصْرُهُمْ لِدِينِهِ وَلِكِتَابِهِ، وَسَعْيُهُمْ وَجِهَادُهُمْ فِي أَنْ تَكُونَ كَلِمَتُهُ هِيَ الْعُلْيَا، وَأَنْ تُقَامَ حُدُودُهُ فِي أَرْضِهِ، وَتُمْتَثَلَ أَوَامِرُهُ وَتُجْتَنَبَ نَوَاهِيهِ، وَيُحْكَمَ فِي عِبَادِهِ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ].

المصادر

http://www.tcmb.gov.tr/wps/wcm/connect/EN/TCMB+EN/Main+Menu/Announcements/Press+Releases/2018/ANO2018-31

http://www.tcmb.gov.tr/wps/wcm/connect/EN/TCMB+EN/Main+Menu/Announcements/Press+Releases/2018/ANO2018-30

http://www.tcmb.gov.tr/wps/wcm/connect/EN/TCMB+EN/Main+Menu/Announcements/Press+Releases/2018/ANO2018-32

  • رحلة النقود عبر التاريخ.. من المواشي والأفيال إلى البيتكوي

https://www.sasapost.com/evolution-of-money-through-history/

  • الدولار الأمريكي: قصة الوهم الذي تمّ خداع العالم به!

https://tipyan.com/usd-dollar-illusion-story-that-has-been-deceiving-the-world/

  • كيف اعتلى الدولار عرش العملات؟

http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2009/4/13/كيف-اعتلى-الدولار-عرش-العملات

  • رحلة النقود عبر التاريخ

https://islamstory.com/ar/artical/23806/رحلة-النقود-عبر-التاريخ

  • The First Paper Money

http://content.time.com/time/specials/packages/article/0,28804,1914560_1914558_1914593,00.html

  • أصل المال.. متى بدأ البشر باستخدام القطع النقدية؟

http://midan.aljazeera.net/reality/economy/2017/6/27/أصل-المال-متى-بدأ-البشر-باستخدام-القطع-النقدية

  • العاقبة المؤلمة لمساعدات الأمة إلى تركيا

http://blogs.aljazeera.net/blogs/2017/2/3/العاقبة-المؤلمة-لمساعدات-الأمة-إلى-تركيا

  • تركيا تتوسع في الخصخصة بطرح مشاريع جديدة للاستثمار

https://www.alaraby.co.uk/economy/562fd695-36e1-4f2b-9bf6-08374c226209

  • تركيا تسدد جميع ديونها لصندوق النقد

http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2013/5/14/تركيا-تسدد-جميع-ديونها-لصندوق-النقد

  • الوقف والحضارة الإسلامية

http://www.albayan.co.uk/mobile/MGZarticle2.aspx?ID=2833

  • كتاب “دور نظام الوقف الإسلامي في التنمية الاقتصادية المعاصرة” لأحمد محمد عبد العظيم الجمل.

https://archive.org/download/FP100049/100049.pdf

  • كتاب “الوقف الإسلامي بين النظرية والتطبيق” لعكرمة سعيد صبري

https://archive.org/download/FP146400/146400.pdf

  • كتاب “الوقف الإسلامي تطوره إدارته تنميته” لمنذر قحف

https://archive.org/download/FP53976/53976.pdf

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(Press Release on Financial Markets Central Bank of the Republic of Turkey, 13 August 2018)
أردوغان: لهم دولاراتهم ولنا ربنا وشعبنا!
عرض التعليقات
تحميل المزيد