من يتابع الوضع في اليمن سيجد أن الإمارات العربية المتحدة متورطة في جرائم ضد الإنسانية، كما أن ميليشياتها المسلحة في بعض المناطق الجنوبية من البلاد متورطة في أكثر من عملية اغتيال، وسجونها السرية والمكشوفة مليئة بالأبرياء، كما أن الإمارات دمرت السلم الأهلي في جنوب البلاد، وأنشأت الكثير من النخب الميليشاوية على أسس مناطقية، وجهوية، وعنصرية. على سبيل المثال، يوجد اليوم في جنوب اليمن النخبة الشبوانية، والمهرية، والضالعية، والحضرمية، والسقطرية، والحزام الأمني… إلخ. كل هذه الميليشيات لا تخضع إلا للمندوب الإماراتي الموجود في عدن. لذلك، بعد أن نجحت الإمارات في تنفيذ مخططها في اليمن بدأت تعلن أنها قررت الانسحاب من اليمن من أجل إفساح المجال لعملية سلام حقيقي! لا يعرف كاتب هذه السطور كيف تتحدث الإمارات عن السلام، بعد أن ارتكبت كل هذه الجرائم بحق الشعب اليمني، ودمرت البنية التحتية لهذا البلد الفقير، بالشراكة مع جار اليمن الشمالي (السعودية)! عن أي سلام تتحدث الإمارات بعد أن دمر كل ما له علاقة بحياة المواطن اليمني البسيط؟ أي سلام تتحدث عنه الإمارات بعد أن أدخلت هذا البلد العربي الشهم في نفق مُظلم، ولن يستطيع الخروج منه عقودًا قادمة من الزمن؟

لقد جاءت الإمارات لأهداف اقتصادية واضحة، ولم تأت لنصرة الحكومة اليمنية، كما كان يروج إعلامها في بداية عاصفة الحزم في مارس (آذار) 2015.

بعد أن نجحت الإمارات في تنفيذ مخططها التوسعي، وأفشلت ميناء عدن الذي لو اشتغل كان سينهي هيمنة ميناء جبل علي في دبي. كما أن الإمارات نجحت في تثبيت أقدامها في باب المندب وخليج عدن، وضمنت وجودها في مناطق الجنوب اليمني، وأفشلت عمل الحكومة اليمنية الشرعية، وساعدت في تفكيك ما تبقى من نسيج مجتمعي يمني. لذلك، قررت الانسحاب من اليمن تدريجيًّا.

نسرد في هذا المقال بعض الأسباب لانسحاب الإمارات التدريجي من اليمن:

أولًا: تعتقد الإمارات أنها نجحت في تفكيك اليمن إلى كانتونات متناحرة على أسس جهوية وطائفية، إذ إن المناطق الشمالية تقبع تحت رحمة ميليشيات الحوثي، وجنوب اليمن تحت حكم ميليشيات انفصالية متمردة تُدين بالولاء المطلق لصانع القرار في إمارة أبوظبي، كما أن المناطق الغربية تقع تحت سيطرة ابن شقيق الرئيس الراحل صالح، العميد طارق صالح، والذي بدوره يدين بالولاء المطلق لأبوظبي. كما أن بعض المناطق الشرقية والجنوبية تحكمها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا، وهذا لا يضر الإمارات ما دام اليمن مقسمًا، وكل جزء يحكمه فصيل معين. هذا هو المشروع الذي عملت من أجله أبوظبي منذ اليوم الأول حينما تدخلت لنصرة اليمن تحت مسمى التحالف العربي لنصرة الحكومة اليمنية والشعب اليمني. لقد كان هدف الإمارات واضحًا مثل وضوح الشمس في رابعة النهار، وكان مشروعها لا يختلف عن مشروع طهران في صنعاء. فالذي كان يقول إن الإمارات جاءت لمواجهة المشروع الإيراني في اليمن، من خلال إسقاط انقلاب الجماعة الحوثية فهو واهم ويجهل الحقائق على الأرض. لم تأت الإمارات لمواجهة الحوثي، ولو كان الهدف هزيمة قوى الانقلاب الحوثية المتمردة لتم ذلك خلال شهور معدودة، إن لم يكن أيامًا، لكنها جاءت لحاجة في نفس صانع قرار الإمبراطورية القائمة على سيقان دجاجة في أبوظبي، بحسب توصيف مفكر فلسطيني.

ثانيًا: لا يُستبعد أن يكون هناك تفاهمات إيرانية إماراتية، بحيث تحكم جماعة الحوثي بعض المناطق الشمالية، وتحكم ميليشيات المجلس الانتقالي التابعة لأبوظبي بعض المناطق الجنوبية والشرقية، وفي حال صح هذا الاتفاق؛ فسيكون المسمار الأخير لنعش المملكة العربية السعودية، أما اليمن فسينزلق إلى حرب أهلية أكثر مما هو حاصل الآن، لا سمح اللّه.

ثالثًا: من الواضح أن الإمارات تنفذ الأجندات الاستعمارية الجديدة للغرب، وقد نجحت في اليمن، ولذلك ربما قد أوعزت لها بعض الدول الغربية بالانسحاب التدريجي من اليمن، من أجل توريط السعودية في الملف اليمني أكثر مما هو حاصل الآن؛ تمهيدًا لاسقاطها وتقسيمها على غرار ما حصل في العراق في عام 2003، إبان الاحتلال الأمريكي للعراق، وهذا السيناريو وارد وبقوة، ويجري العمل لتنفيذه بحسب وجهة نظر كاتب هذه السطور.

رابعًا: تريد الإمارات تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي، ولا تريد أن تقف الأسلحة الأمريكية التي تستوردها الإمارات من واشنطن وبعض الدول الغربية.

خامسًا: لا تريد الإمارات التصعيد ضد إيران، وإعلان انسحابها من اليمن هو من أجل إيصال رسالة لطهران مفادها أننا لسنا ضدكم، ولن نعارض مشروعكم الطائفي في الشمال اليمني، وانسحابنا من اليمن هو بادرة حسن نية تجاهكم.

سادسًا: يعتقد الإماراتيون أنهم أفشلوا الربيع اليمني -ثورة 11 فبراير (شباط) السلمية الشبابية، وبالتالي لا حاجة لهم بالبقاء في اليمن.

ختامًا: إن الجرائم التي ارتكبتها الإمارات بحق الشعب اليمني لن تسقط بالتقادم، وانسحابها التدريجي أو بشكل نهائي من اليمن إن صح ذلك، فلا يعني مطلقًا أنها؛ أي الإمارات، برئية مما حصل في اليمن، فهي متورطة، وكل جرائمها موثقة، وسيلاحق قادتها في المحاكم الدولية، وإن كانت الإمارات تعتقد أن بيدها المال، ولذلك لن تطالها يد العدالة، فهذه النظرة خاطئة. «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد