ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين

نحن مأمورون شرعًا بصفة عامة أن نبشر ولا ننفر، كما نحن مأمورون أن نيسر ولا نعسر، حتى في أحلك الظروف والضعف الذي تمر به أمتنا الإسلامية.
يمر المسلمون الآن بمرحلة عصيبة من مراحل تاريخهم الطويل، إذ تكاد تغلب عليهم عوامل اليأس ومشاعر الإحباط، ومرد هذا الشعور إلى الضربات المتلاحقة والهجمات المتتالية التي توجه بخبث ومكر، وتنظيم وقوة، من أعداء الإسلام إلى الدين وأهله بغية إطفاء نور الإسلام ووقف حركته وتفويت كل فرصة كريمة عليه. ولكن لا تيأسوا «إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ»
والأخطر من العدو بني جلدتكم الذي يعيش معكم وبينكم، بل يعد عليكم أنفاسكم حتى تأتي الطعنة قاتلة!
الطابور الخامس من الخونة والعملاء والإعلاميين ومزوري التاريخ والدين
أُقسم بالله الذي رفع السماء بلا عمد ليس النصر بالقنابل والصواريخ وحاملات الطائرات، إنما النصر بالثبات واليقين بوعد الله «وما النصر إلا من عند الله».
إن النصر لا يأتي من عند الله إلا عندما يكون المؤمنون أحوج ما يكونون إليه، وعندما يبرأ الناس من حولهم وقوتهم ويلوذون بحول الله وقوته، وعندما تغلق الأبواب في وجوههم، وتنقطع الأسباب دونهم فعند ذلك ينزل النصر. وهذه قضية عقائدية تكررت مرات عديدة في تاريخ المسلمين.
مرت علينا قبل ذلك لحظات ضعف كثيرة وإن طالت أو قصرت، إلا أن النصر كان دائمًا حليفنا. انتصرت الأمة الإسلامية من قبل على التتار والمغول والصليبيين، وغيرها من حروب ومواقف كثيرة.
وقيل لرسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في غزوة الأحزاب: يا رسول الله، إنَّ قريشًا جاءت ومعها فلول العرب، فقال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم –: «أوتَحزَّبوا؟» قيل: نعم، قال: «إذًا أبشِروا بِنَصر الله»، وكأنَّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – يبيِّن لنا القانون الإلهيَّ أنَّه إذا تحزَّب أعداء الله ضدَّ دين الله والمسلمين، واتَّخَذ المسلمون من الأسباب ما يُواجهون به هذا التحزُّبَ أكرَمَهم الله بالنَّصر المبين، ودَحْر عدو الإسلام والمسلمين.
ومن بشائر نصر الله لهذا الدين في هذا العصر أن أعدادًا كبيرة من الناس من مختلف الأديان وكل بقاع المعمورة رجالاً ونساءً يدخلون الآن في دين الله. وأيضًا مما يبشر بنصر الله للإسلام أن الحضارة الغربية الحالية حضارة مادية بحتة، خدعت الإنسان فترة من الزمن، إلا أنها بدأت تتكشف عوامل إفلاسها وضعفها، بعد أن أخذت زخرفها وازينت، ولكي ننتصر علينا بالتمسك بأسباب النصر :
أولاً: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهذه من أهم الأسباب. فالبداية هي تغير أنفسنا من الداخل والتخلي قبل التحلي، فعلينا التخلي عن الذنوب التي تعيق التوفيق والنصر وكل عاداتنا السيئة.
تغير في الأفكار والعقائد الفاسدة، قبل التحلي بالصفات الحميدة ثم كثرة الاستغفار. كما يجب الصبر على العبادات، وأن نعلم جميعًا أن الدين هو «المعاملة»، ليس بكثرة العبادات ولا بالثياب والذقون.
ثانيًا: المداومة على صلاة الفجر، فهي صلاة مباركة مشهودة، وقد أقسم الله بها، وهي مقياس حب العبد لله عزّ وجلّ، لأن الإنسان يترك نومه ويقوم للحي القيوم.
ومن أشهر مقولات جولدا مائير، عندما حذروها بأن عقيدة المسلمين تنص على حرب قادمة بين المسلمين واليهود سوف ينتصر فيها المسلمين عند اقتراب الساعة، فقالت: أعرف ولكن هؤلاء المسلمون ليسوا من نراهم الآن، ولن يتحقق ذلك إلا إذا رأينا المصلين في صلاة الفجر مثلما يكونون في صلاة الجمعة. وللأسف صدقت! وضرورة قيام الليل كذلك وقراءة القرآن الذي هجرناه، فقد كان صلاح الدِّين الأيوبي يتفقَّد أحوال الجند ليلاً، فوجد خيمة بِها عددٌ من الجند يقرَؤون كتاب الله ويَقُومون الليل، فسجَّل له التاريخ هذه القَوْلة: «من هنا يأتي النصر»، ومرَّ على أُخْرى، فوجدها نائمة، فقال: «من هنا تأتي الهزيمة»
ثالثًا: وجوب التراحم والتعاطف، والتماسك ووحدة الأمة «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا»، فإن أعظم مداخل الشيطان على المؤمنين لإيقاعهم في شِراك الفُرقة: هو سوء الظن بإخوانه والتجسس عليهم، وغيبتهم.
رابعًا: استرداد حق المظلوم، ولا تنسوا أهم مما سبق «لعنة الدم»، وهي لعنة ستصيب الأمة بأكملها، إن لم يأت حق كل مظلوم؛ فالظُّلم هو مُجاوزة الحدود التي شرعها الله – عزَّ وجلَّ – والتَّطاوُلُ على الحرمات التي قدَّسها ربُّ الأرْباب؛ فتعْذيب المسلم ظُلْم، وسرِقةُ ماله ظُلْم، وقَذْفُ نسائِه ظلم، وقتْلُه ظُلْم، وليعلم الظَّالم أنَّ المظلوم في ذلك اليوم العصيب سيُوقفه أمام المحكمة الرَّبَّانيَّة الَّتي لا يُظلم فيها أحد.
فكيف يقدِّس الله أُمَّة لا يؤْخَذ من شديدِهم لضعيفِهم؟! وكيف يقدِّس الله أمَّة لا تُحترم فيها الكرامات، لا تُصان فيها الأعراض؟! كيف يقدِّس الله أمَّة تُسفك فيها الدِّماء، ويتَّهم فيها البريء، ويبرَّأ فيها الظَّالم؟! أمَّة بهذه الأخلاقيَّات الفاسدة محكومٌ عليها في الدّنيا بالدَّمار، ومَحكوم على أفرادِها من أهل الظُّلم في الآخرة بالنَّار.
خامسًا: الاستعداد للمواجهة «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ».
يقول الله سبحانه وتعالى: «مَا اسْتَطَعْتُمْ» أي يجب أن تستنفذوا كل ما في استطاعتكم في حشد القوة، فالعلم قوة، التفوق في العلم قوة، استطلاع المعلومات قوة، الإعداد قوة، التدريب قوة، التوجيه الإعلامي قوة.
هذه هي مقوِّمات النَّصر وأسبابه، فما أحوجَنا إليها اليوم! حتى نستجمع مقوِّمات النصر على أعدائنا، ونخْرج من مرحلة الذُّلِّ والهوان والغُثاء، ونستفيق من سُباتنا حتَّى يعود للإسلام سيادته ومجده. فكلنا يعلم أن أحلك ساعات الليل سوادًا هي السويعات التي تسبق الفجر.
إن الأمة الإسلامية هي أمة متعثرة لا مندثرة. أمة تنام أو تمرض أو تتراجع، ولكنها أبدًا لن تموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد